تحديات إصلاح قطاع الكهرباء…. بين الحاجة الإسعافية ومتطلبات التحول البنيوي المستدام

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – رشا عيسى:

تأتي التطورات المرتبطة بقطاع الكهرباء في سوريا في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الحاجة إلى حلول سريعة، مع ضرورة التفكير بإصلاحات أعمق وأكثر استدامة، ويبرز اتفاق استيراد الغاز عبر المملكة الأردنية الهاشمية كإجراء يهدف إلى تحسين التزويد في المدى القصير، وسط تحديات متراكمة يعانيها القطاع منذ سنوات، غير أن قراءة هذا الاتفاق بمعزل عن السياق الأوسع لمنظومة الطاقة قد لا يعكس أبعاده الحقيقية، ومن هنا يقدّم الباحث والاستشاري في إدارة التحول الدكتور ياسين العلي مقاربة تحليلية تضع هذا التطور ضمن إطار أشمل، يميّز بين المعالجة الانتقالية ومتطلبات الإصلاح البنيوي طويل الأجل، ويقارب أزمة الكهرباء بوصفها قضية اقتصادية ومؤسسية ذات أبعاد اجتماعية مباشرة.

معالجة إسعافية

ويرى الباحث العلي أن اتفاق استيراد الغاز عبر المملكة الأردنية يندرج في إطار المعالجات الإسعافية قصيرة الأجل، الهادفة إلى تخفيف اختناق الوقود اللازم لتشغيل محطات توليد الكهرباء، وبحسب تقديره يمكن لهذا الإجراء أن ينعكس إيجاباً على ساعات التغذية في المدى القريب، شريطة توافر الجاهزية التشغيلية الفعلية للمحطات وشبكات النقل والتوزيع.
غير أن الدكتور العلي يشدد على أن تقييم الاتفاق لا ينبغي أن يُختزل في أثره الآني، بل يجب وضعه ضمن إطار تحليلي أوسع يميّز بين الحلول الانتقالية والحلول البنيوية المستدامة،فأزمة الكهرباء في سوريا، وفق العلي ليست أزمة وقود فقط، بل أزمة منظومة متكاملة تشمل الإدارة والحوكمة والكفاءة التشغيلية والبنية التحتية ونموذج التسعير والاستثمار طويل الأجل، إضافة إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن في إدارة المرافق العامة.
ويشير العلي إلى أن الكلفة السنوية المقدّرة لاستيراد الغاز، والبالغة نحو 800 مليون دولار، تُعد مرتفعة قياساً بقدرة الاقتصاد الوطني، ما يفرض التمييز بين أمن تزويد قصير الأجل يتحقق عبر الاستيراد، وأمن طاقة طويل الأجل يقوم على تنمية الموارد المحلية ورفع الكفاءة وخفض الهدر وتنويع المزيج الطاقوي.

كلفة الاستيراد وحدود القدرة الاقتصادية

ويحذّر من تحوّل الحل الانتقالي إلى اعتماد دائم مرتفع الكلفة ومعرّض للمخاطر السياسية والمالية، في حال لم يُربط بمسار زمني واضح لبناء البديل المحلي.
وفي السياق المؤسسي، يرى العلي أن قطاع الكهرباء لا يزال يفتقر إلى خطة إصلاح معلنة تتضمن تشخيصاً كمّياً للفجوة بين العرض والطلب، وتقييماً دقيقاً لطاقات التوليد الجاهزة فعلياً، وبرنامجاً زمنياً لإعادة تأهيل المحطات والشبكات، وأهدافاً واضحة لخفض الفاقد الفني وغير الفني.، ويؤكد أن غياب هذه العناصر يحدّ من الانتقال من إدارة ظرفية للأزمة إلى إدارة تحول هيكلي طويل الأمد.

معيار التقييم الواقعي

وفي الوقت ذاته، يلفت العلي إلى ضرورة مراعاة حداثة عهد الحكومة الحالية، التي لم يمضِ على توليها سوى عام واحد ، معتبراً أن معيار التقييم في هذه المرحلة لا ينبغي أن يكون سرعة النتائج، بل وضوح الاتجاه وبناء القواعد المؤسسية للإصلاح.
وعلى الصعيد التقني، يوضح العلي أن تحسين التغذية الكهربائية لا يتوقف على توافر الوقود، بل يرتبط بكفاءة التوليد وجاهزية الشبكات، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن الفاقد في بعض السنوات تجاوز ثلث الطاقة المولدة، وهو ما يعني أن خفض الهدر قد يحقق أثراً يعادل بناء محطات توليد جديدة ولكن بكلفة أقل ونتائج أسرع.

أمن طاقة مستدام

أما على المستوى الاستراتيجي، فيعتبر العلي أن الاستثمار في الغاز المحلي يشكل مساراً ضرورياً للانتقال من الاعتماد على الاستيراد إلى بناء أمن طاقة مستدام، شرط توافر أطر تعاقدية شفافة، وإدارة فعالة للمخاطر، وتوجيه الغاز نحو الاستخدامات الأعلى أثراً في الإنتاج والتنمية.
وفي البعد الاقتصادي والاجتماعي، يؤكد العلي أن الكهرباء ليست خدمة تقنية فحسب، بل مدخل أساسي للنشاط الاقتصادي وجودة الحياة، فضعف التغذية يرفع كلفة الإنتاج ويزيد الاعتماد على بدائل مكلفة، ويؤدي إلى نشوء اقتصاد طاقة موازٍ خارج الإطار الرسمي، مع انعكاسات مباشرة على التعليم والصحة ومستوى المعيشة.

التسعير بين تحسين الخدمة والعدالة التوزيعية

وفيما يتعلق بالتسعير، يرى العلي أن أي تعديل للأسعار لا يُربط بتحسّن ملموس في جودة الخدمة ولا يترافق مع إصلاح الجباية وخفض الفاقد، سيؤدي إلى اختلال في العدالة التوزيعية، بحيث يتحمّل الملتزمون بالدفع عبئاً أكبر مقابل خدمة ضعيفة، ويؤكد أن الحل يكمن في اعتماد شرائح مدعومة للاستهلاك الأساسي، والتدرّج في تعديل الأسعار، والدعم الموجّه للأسر الأضعف.

المواطن.. المؤشر الأساسي

ويؤكد العلي أن رضا المواطن يجب أن يُعتمد مؤشراً أساسياً لتقييم أداء قطاع الكهرباء، من خلال قياس منتظم لجودة التغذية وعدالة الفاتورة ومستوى الثقة بالمؤسسة المشغلة، وبرأيه إصلاح الكهرباء، ليس ملفاً تقنياً فقط، بل اختبار لقدرة الدولة على إدارة مورد سيادي بكفاءة وعدالة، ونقطة مفصلية في إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وكان وزير الطاقة محمد البشير أعلن عبر منصة (X) أنه بعد الاتفاق مع الأشقاء في الأردن لشراء 4 ملايين متر مكعب من الغاز، ولأول مرة منذ أكثر من ست سنوات، تجاوزت استطاعة التوليد حاجز الـ 3000 ميغاواط، مؤكداً أن هذه الخطوة ستعزز استقرار المنظومة الكهربائية في سوريا وستحسن جودة الخدمة.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار