الحرية – إلهام عثمان:
بيّن عضو اللجنة الاستشارية الوطنية لأمراض الدم والأورام الدكتور عبد الرزاق البكور، أنه في ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها نظام الرعاية الصحية في سوريا، خاصةً في مجال علاج الأورام عند الأطفال، تبرز أهمية الرعاية التلطيفية كنموذج متكامل يهدف إلى تحسين نوعية حياة المرضى وعائلاتهم، بعيداً عن المفاهيم التقليدية للعلاج التقليدي الذي يركز على مكافحة المرض فقط، فهي ليست مجرد علاج مضاف، بل هي رؤية شمولية تهدف إلى تحويل تجربة المرض من معركة إلى رحلة متكاملة تهتم بجوانب الراحة النفسية والجسدية والاجتماعية.
البكور: الرعاية التلطيفية نهج طبي شامل يهدف إلى تخفيف الأعراض والمعاناة الناتجة عن المرض وليس فقط مكافحة الخلايا السرطانية
نهح طبي شامل
ويوضح عبد الرزاق في تصريح لصحيفة الحرية أن العلاج الملطف، أو الرعاية التلطيفية، هو نهج طبي شامل يهدف إلى تخفيف الأعراض والمعاناة الناتجة عن المرض، وليس فقط مكافحة الخلايا السرطانية، بينما يركز العلاج الكيميائي أو الإشعاعي على القضاء على الورم، حيث يركز العلاج الملطف على تخفيف الألم والأعراض الجانبية مثل الغثيان، والتعب، وضيق التنفس، موضحاً أهمية الدعم النفسي والاجتماعي من خلال تقديم المساندة للعائلة والطفل على حد سواء، وأن تحسين جودة الحياة يكون عبر توفير بيئة يشعر فيها المريض بالراحة والأمان، كما أنه ليس علاجاً بديلاً للعلاج الكيماوي والشعاعي، بل يُضاف إلى مسار العلاج العام منذ بداية التشخيص، ما يساعد في تلطيف تجربة المرض وتحقيق نتائج أفضل على المستوى النفسي والاجتماعي.
تقييم دقيق
وحول تحديد ما إذا كان العلاج الملطف مناسباً لطفل معين يعاني من ورم؟ أشار إلى أنه يتطلب تحديد ملاءمة و تقييماً دقيقاً يشمل تقييم الأعراض مثل شدة الألم، الإقياء، صعوبة التنفس أو أية أعراض أخرى تؤثر على راحة الطفل- أما الحالة النفسية والاجتماعية، فتعتبر الضغوط النفسية والتوتر الأسري من المؤشرات التي تستدعي الدعم التلطيفي.
إضافة لضرورة مناقشة الأسرة، إذ تُعد الشفافية مع الوالدين والعائلة خطوة أساسية لتحديد الأهداف المرجوة من العلاج، أما تقييم الفريق الطبي، فهو يضم أطباء الأورام، ومتخصصي الرعاية التلطيفية، والممرضين، والعمل الاجتماعي، لتحديد الوقت الأمثل لإدماج الرعاية التلطيفية مع العلاجات الأخرى.
مضيفاً: ببساطة، إذا كان الطفل يعاني من أعراض تؤثر على راحته وجودة حياته بشكل واضح، فإن الرعاية التلطيفية تُعتبر خيارًا ضروريًا لدعم الجهود العلاجية.
تخفيف الأعراض
وهنا يكشف عبد الرزاق دور الرعاية التلطيفية في تخفيف مجموعة واسعة من الأعراض، منها: الألم عبر استخدام الأدوية المناسبة وإجراءات غير دوائية، والغثيان والإقياء والذي قد ينجم عن العلاجات الكيميائية أو الإشعاعية، وضيق التنفس، من خلال توفير العلاجات التنفسية والدعم المناسب، أيضاً التعب والإرهاق، من خلال تنظيم النشاط اليومي وتوفير الراحة الكافية، والضيق النفسي والعاطفي، بتقديم الدعم النفسي والاستشارات العائلية، والمشكلات الاجتماعية والروحية، من خلال توفير بيئة داعمة تشجع على الحوار والتفهم، كل ذلك يُساهم في تخفيف العبء الجسدي والنفسي عن الطفل، ما يساعده على مواجهة المرض بمرونة أكبر.
تحسين نوعية
كما اكد عبد الرزاق أن الرعاية التلطيفية تُحدث فرقاً كبيراً في حياة الأطفال وعائلاتهم عبر تخفيف المعاناة ليس فقط من الألم الجسدي، بل أيضاً من الضغوط النفسية التي تصاحب المرض، ودعم الأسرة عبر جلسات استشارية ومساعدة عملية تساعد الوالدين والأشقاء على التكيف مع الظروف الصعبة، ومن خلال تعزيز التواصل حيث يساهم الفريق الطبي في تسهيل الحوار بين الطفل والعائلة حول توقعاتهم ومخاوفهم، وإعطاء أمل ورؤية مستقبلية حتى في ظل المرض، يمكن توفير بيئة تركز على الاحتفال باللحظات الجميلة وتحقيق الراحة النفسية، كما أن تنظيم الخدمات الطبية يبرز دوره عبر تنسيق الجهود بين مختلف التخصصات لضمان تقديم دعم شامل ومتكامل.
هذا التكامل يغير المفهوم التقليدي للرعاية؛ فبدلاً من التركيز فقط على محاربة المرض، يتم التركيز على تقديم رعاية إنسانية تُحسن من حياة المرضى وتخفف من معاناتهم.
خطوات
وأوضح عبد الرزاق أن تنسيق الرعاية التلطيفية مع العلاجات الأخرى يتطلب تشكيل فريق متعدد يضم أطباء الأورام، ومختصي الرعاية التلطيفية، الممرضين، الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين، كما يحتاج لتخطيط مشترك بعقد اجتماعات دورية لمراجعة حالة المريض وتحديد الخطط العلاجية المتكاملة، وبدء مبكر من خلال إدخال الرعاية التلطيفية منذ بداية رحلة العلاج وليس فقط في مراحل متقدمة، إضافة لتقييم دوري..
يمكن تأسيس وحدات مخصصة للرعاية التلطيفية باستخدام الموارد المتاحة من خلال التدريب والتأهيل وذلك بتنظيم دورات تدريبية وورش عمل
ويكون ذلك عبر مراقبة الأعراض وتعديل الخطة العلاجية بما يتناسب مع تطورات الحالة، كما يستدعي توعية وتدريب الكوادر وذلك بإقامة ورش عمل وبرامج تدريبية لتعليم العاملين في مجال الصحة وكيفية تقديم الرعاية التلطيفية بكفاءة، حتى في ظل محدودية الإمكانيات، وإنشاء أقسام مخصصة في كل مركز للأورام، إذ يجب أن يكون هناك قسم خاص للرعاية التلطيفية يكون بمثابة نقطة اتصال مركزية لتقديم الدعم المتكامل.
واقع طبي
ونظراً للواقع الطبي المحدود في سوريا، أشار عبد الرزاق إلى أنه يمكن اقتراح عدد من التوصيات العملية لتطوير نظام الرعاية التلطيفية رغم محدودية الإمكانيات، وذلك بإنشاء وحدات صغيرة داخل مراكز الأورام، حيث يمكن تأسيس وحدات مخصصة للرعاية التلطيفية باستخدام الموارد المتاحة، ومن خلال التدريب والتأهيل وذلك بتنظيم دورات تدريبية وورش عمل للعاملين الصحيين لتأهيلهم في أسس الرعاية التلطيفية، والتعاون مع المنظمات ويكون بالبحث عن شراكات مع منظمات غير حكومية ومحلية لتوفير الدعم المالي والتقني.
دور الأسرة والمجتمع
وأما عن دور الأسرة والمجتمع في دعم المرضى في إطار الرعاية التلطيفية، فيكون ذلك وحسب رأي عبد الرزاق، من خلال إشراك العائلة في عملية اتخاذ القرار، حيث يلعب الدعم العائلي دوراً كبيراً في تحسين الحالة النفسية، و توفير مجموعات دعم تساعد الأسرة على تبادل الخبرات ومواجهة الضغوط اليومية.
خطوات بناء الفريق
وعن الخطوات العملية لبناء فريق رعاية تلطيفية متكامل في المراكز الصحية السورية، يشير عبد الرزاق إلى أن ذلك يكون بتحديد الكفاءات عبر اختيار الكوادر الطبية والاجتماعية التي تظهر رغبة ومهارة في تقديم هذا النوعية، من خلال إعداد بروتوكولات واضحة بوضع دليل إرشادي لتنسيق عمل الفريق وتحديد الأدوار والمسؤوليات، وأيضاً المتابعة والتقييم وذلك بإنشاء نظام تقييم دوري لقياس فعالية الرعاية التلطيفية وتعديل الخطط بناءً على النتائج.
وختم عبد الرزاق: إن هذا النهج لا يسهم فقط في تحسين جودة الحياة، بل يعيد صياغة مفهوم العلاج ليتحول إلى رعاية شاملة تتجاوز حدود الطب التقليدي، ما يُحدث تغييراً إيجابياً في واقع الرعاية الصحية بالمجتمع، في سوريا، وأنه رغم التحديات، يمكن تحويل هذا النموذج إلى واقع ملموس عبر تدريب الكوادر، وإنشاء أقسام مخصصة، والتعاون بين مختلف التخصصات والجهات المجتمعية. بهذا الأسلوب، نضمن أن يكون لكل طفل مريض وعائلته الدعم الذي يحتاجون إليه لمواجهة المرض بكرامة وإنسانية.