استبدال العملة… إجراءات تنظيمية تواجه اختبار الثقة والاقتصاد الحقيقي

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – آلاء هشام عقدة:
في إطار التحضيرات لاستبدال العملة الوطنية، أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة عن حزمة إجراءات تهدف إلى ضبط السوق وضمان استقرار الأسعار خلال فترة التعايش بين العملتين القديمة والجديدة، في محاولة لتخفيف أي ارتدادات تضخمية أو إرباك في التعاملات التجارية.
وألزمت الوزارة جميع الفعاليات التجارية بالإعلان عن الأسعار بالعملتين بشكل واضح ومقروء، بما يضمن شفافية المعاملات وحماية المستهلك من أي تلاعب محتمل. كما أكدت أن قيمة السلع والخدمات لن تتغير نتيجة استبدال العملة، وأن العملية ذات طابع تقني وتنظيمي.
وشملت الإجراءات حملات توعية مكثفة عبر مختلف الوسائط التجارية، إضافة إلى حملات إعلامية وإعلانية في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، تتضمن نشر سعر الصرف الرسمي بالعملتين، بالتوازي مع تنسيق الجهود مع غرف الصناعة والتجارة لضمان وصول المعلومات إلى أوسع شريحة ممكنة من المواطنين والتجار.
وأكدت وزارة الاقتصاد والصناعة أن هذه الخطوات تهدف إلى تسهيل الانتقال السلس إلى العملة الجديدة، والحفاظ على استقرار السوق، وحماية حقوق المستهلكين والتجار خلال المرحلة الانتقالية.

إطار تقني… بظروف استثنائية

عميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية، الدكتور عبد الهادي الرفاعي، أوضح في تصريح لـ«الحرية» أن الإجراءات المتعلقة بطرح العملة الجديدة والحفاظ على أسعار السلع تأتي ضمن إطار عام تتبعه الحكومات عادة في مثل هذه الحالات، استناداً إلى تجارب دولية سابقة، مع التأكيد على أن الحالة السورية تبقى فريدة وتتأثر بعوامل غير اقتصادية.
وبيّن الرفاعي أن الإجراءات المتوقعة أو التي أُعلن عنها جزئياً، وفق تصريحات مصرف سوريا المركزي، تتضمن تحديد فترة زمنية لاستبدال العملة تمتد لثلاثة أشهر، يتم خلالها سحب العملة القديمة وإصدار الجديدة عبر المصرف المركزي والمصارف العاملة في سوريا، مع وضع سقوف لكمية التبادل للأفراد والشركات، بهدف الحد من تهريب الأموال ومكافحة غسيلها.

سياسات مرافقة وضبط مؤقت

وأشار إلى أن طرح العملة الجديدة سيترافق مع سياسات تهدف إلى تثبيت أسعار السلع الأساسية مؤقتاً عبر آليات رقابة حكومية، مثل لجان المراقبة في المحافظات، إلى جانب توفير سلع مدعومة من خلال مراكز التوزيع التابعة للدولة، ومراقبة سوق الصرف ومحاولة تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازي.
وأضاف إن الإجراءات تشمل أيضاً أدوات مالية ونقدية، مثل رفع سعر الفائدة لجذب الودائع بالعملة الجديدة، وتقييد الإقراض للحد من التضخم، إلى جانب مراجعة السياسة النقدية لضبط المعروض النقدي.

تحديات تقوض الفعالية

في المقابل، حذّر الدكتور الرفاعي من جملة تحديات قد تحدّ من فعالية هذه الإجراءات، أبرزها فقدان الثقة بالعملة المحلية نتيجة التضخم الكبير خلال سنوات حكم النظام البائد، حيث فقدت الليرة السورية أكثر من 99 % من قيمتها منذ عام 2011.
كما أشار إلى اعتماد قطاعات واسعة من الاقتصاد على العملات الأجنبية، ولا سيما الدولار في المعاملات الكبيرة والعقارات، ما قد يجعل العملة الجديدة رمزية في بعض القطاعات إذا لم يتم ضبط هذا الواقع، إضافة إلى النقص الحاد في السيولة الأجنبية لدى المصرف المركزي.

هل تكفي الإجراءات لمنع التضخم؟

ويرى الرفاعي أن هذه الإجراءات، من الناحية النظرية، يمكن أن تنجح في الحفاظ على الأسعار إذا ترافق طرح العملة مع إصلاح اقتصادي حقيقي يشمل خفض العجز، وتحفيز الإنتاج، وجذب الاستثمارات، إلى جانب دعم سياسي إقليمي أو دولي، وتحسين بيئة الأعمال وزيادة الإنتاج المحلي لتلبية الطلب.
إلا أن الواقع السوري الحالي، بحسب أغلبية الاقتصاديين، يجعل فرص النجاح محدودة بسبب جذور التضخم العميقة المرتبطة بانهيار الإنتاج، والحصار الاقتصادي، واعتماد الدولة في السابق على الطباعة النقدية لتمويل العجز، فضلاً عن غياب الإصلاح الهيكلي ومعالجة قضايا الفساد والبنية التحتية المدمرة.
كما لفت إلى خطر المضاربة، حيث قد يدفع انعدام الثقة المواطنين إلى تحويل مدخراتهم إلى عملات أجنبية أو أصول عينية كالذهب والعقارات، ما يضعف فعالية السياسة النقدية.

خلاصة المشهد

ويخلص الدكتور الرفاعي إلى أن الحكومة السورية قد تنجح في إدخال العملة الجديدة من الناحية التقنية، إلا أن الحفاظ على قيمتها واستقرار الأسعار يبقى مرتبطاً بعوامل أعمق من الإجراءات الفنية، فدون معالجة الأسباب الجذرية للتضخم، مثل العجز المالي وضعف الإنتاج، تبقى أي عملة جديدة عرضة لضغوط تضخمية على المدى المتوسط، وهو ما تؤكده تجارب دولية كفنزويلا وزيمبابوي، حيث أثبت استبدال العملة دون إصلاح اقتصادي شامل أنه حل مؤقت لا أكثر.

Leave a Comment
آخر الأخبار