الحرية– نهلة أبو تك:
مع بدء تداول العملة السورية الجديدة، عادت الأسئلة القديمة لتفرض نفسها بقوة على حياة السوريين اليومية.
لم يعد شكل الورقة أو عدد الأصفار هو ما يشغل الناس، بل ما إذا كانت هذه الورقة قادرة على مواكبة متطلبات المعيشة، أم أنها ستعيد فتح باب القلق ذاته الذي رافق كل تحوّل نقدي سابق.
في بلد أنهكته سنوات التضخم، وتعايشت أسواقه مع تذبذبات متكررة عند كل إجراء مالي، لم يعد استبدال العملة يُنظر إليه كخطوة تقنية معزولة، بل كاختبار فعلي للثقة بين المواطن والسوق، وبين الأجور والأسعار، وبين ما يُعلن رسمياً وما ينعكس فعلياً على حياة الناس.
ورغم التأكيدات الرسمية بأن الإجراء تنظيمي ولا يمسّ القيمة الحقيقية للأموال، يبقى القلق الشعبي حاضراً من أن تتحول الورقة الجديدة إلى مدخل لارتفاعات سعرية صامتة تزيد من كلفة الحياة اليومية دون إعلان.. حتى على المستوى الاقتصادي، لا يكمن الخطر في شكل الورقة أو حذف الأصفار بحد ذاته.
وهنا يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور إيهاب اسمندر أن الخطر الحقيقي ليس في حذف الأصفار، بل فيما يلي ذلك، محذراً من أن أي استبدال للعملة، مهما بدا شكلياً، قد يتحول إلى عامل ضغط إضافي على المعيشة إذا لم تُدر المرحلة بصرامة نقدية وضبط فعلي لسلوك السوق.
إجراء نقدي شكلي.. وتأثير معيشي مباشر
ويشرح اسمندر في تصريحه لـ”الحرية” قائلاً: اقتصادياً، يُعدّ استبدال العملة خطوة تنظيمية تهدف إلى تبسيط التعاملات وإعادة ترتيب القيم الاسمية، من دون أن تخلق قوة شرائية إضافية تلقائياً. فالتحويل بين العملة القديمة والجديدة يبقى محصوراً بالحسابات، بينما تظل الأسعار والدخول خاضعة لعوامل الإنتاج، وسلوك السوق، ومستوى الرقابة.
ويشير اسمندر إلى أن العملة الجديدة لن تحسّن حياة الناس مباشرة، لكنها قد تمنع فوضى سعرية أوسع إذا أُحسن تطبيقها، مؤكداً أن منع التوسع النقدي غير المحسوب، والمتابعة اليومية للأسواق، عنصران حاسمان في هذه المرحلة الحساسة.
المواطن في قلب الاختبار
التحويل الاسمي للرواتب لا يعيد القوة الشرائية، برأي اسمندر، وأي ارتفاع في الأسعار— حتى لو كان محدوداً— يعني تآكل الدخل فوراً.
الأشهر الأولى من التطبيق ستكون الأكثر حساسية، حيث يعيد المواطن ترتيب أولوياته اليومية بدقة: الغذاء قبل الكماليات، الدواء قبل أي إنفاق مؤجل، ومحاولات دائمة لموازنة الإيجار والنقل وبقية المتطلبات الأساسية.
الأسر ذات الدخل الثابت تتحمل العبء الأكبر، إذ يظهر أي خلل في التسعير مباشرة على مائدة الأسرة.
وفي المقابل، يعيش أصحاب المحلات الصغيرة حالة توتر بين الحفاظ على هامش ربحهم المعتاد وبين ضغط المستهلكين المتوجسين، الذين يقارنون كل سعر بالواقع السابق ويخشون أي زيادة غير مبررة.
الأسواق تحت المجهر
في الأسواق الكبيرة والصغيرة، تسود حالة حذر مشتركة بين البائع والمشتري، وفقاً لاسمندر، التجار يحسبون كل خطوة، والمستهلكون يراقبون كل تفصيل، والنتيجة هي تقليص في الاستهلاك، وإعادة ترتيب للأولويات، والتمسك بالضروري فقط.
ويحذّر اسمندر من أن أي تراخٍ في الرقابة خلال هذه المرحلة قد يفتح الباب أمام ارتفاعات تدريجية لا تُلاحظ فوراً، لكنها تتراكم سريعاً وتنعكس مباشرة على معيشة الأسر، ما يحوّل الإجراء النقدي من تنظيم مالي إلى عبء اجتماعي.
فرصة مشروطة بالإدارة
يشدد الخبراء على أن المرحلة الحالية ليست مجرد اختبار عابر، بل فرصة لترسيخ استقرار نسبي إذا أُديرت بحكمة.
دعم الإنتاج المحلي، ضبط السيولة، وتعزيز الشفافية في السياسات النقدية، عوامل أساسية لحماية القوة الشرائية ومنع أي ضغط إضافي على المعيشة.
فالهدوء النسبي في الأسواق لا يعني تعافياً اقتصادياً، لكنه مساحة يمكن البناء عليها بسياسات واضحة يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية، لا في التصريحات فقط.
القيمة في الحياة لا في الورق
في نهاية المطاف، لا يعني السوريين شكل الورقة الجديدة بقدر ما يعنيهم ما يمكن شراؤه بها.
استبدال العملة قد لا يحل الأزمة الاقتصادية، لكنه قادر على منع أزمة جديدة إذا أُحسن تطبيقه، وربط برقابة حقيقية تحمي الناس من أي موجة ضغط مفاجئة على معيشتهم.