الحرية – سناء عبد الرحمن:
تعد الاستثمارات السعودية التي تم الإعلان عنها في سوريا من أبرز التطورات الاقتصادية في المنطقة، حيث تحمل في طياتها أبعاداً استراتيجية تتجاوز الجانب الاقتصادي والتنموي. هذه الاستثمارات لا تقتصر على إعادة بناء البنية التحتية، بل تسهم في إعادة تشكيل العلاقات السياسية والاقتصادية بين سوريا والسعودية، مع تأثيرات واسعة على الأمن الإقليمي والجيوسياسي للمنطقة.
ويرى المدرس في جامعة اللاذقية والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا الدكتور وجد رفيق الصائغ، لـ”الحرية” أنه على الرغم من أن أهمية الاستثمارات السعودية في سوريا تنبع من تنوعها وحجمها، إلا أن لهذه الاستثمارات أبعاداً أخرى تتجاوز كونها مجرد استثمارات اقتصادية وتنموية. فهي تمثل خطوة أساسية نحو إعادة بناء الدولة السورية من بوابة الاقتصاد، وتأسيس بنية تحتية حيوية تُسهم في تحفيز النمو المستدام. كما أن لها تأثيرات استراتيجية على مستوى العلاقات السياسية-الاقتصادية بين سوريا والسعودية، التي يمكن أن تؤدي إلى إعادة تشكيل الأمن العربي وإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة بشكل عام.
الأبعاد الاقتصادية والتنموية للاستثمارات
وأشار الصائغ إلى أن الاستثمارات موجهة لقطاعات حيوية، تستهدف الاستثمارات السعودية في سوريا قطاعات حيوية تلعب دوراً أساسياً في عملية الإعمار والتنمية. هذه الاستثمارات ليست عشوائية، بل هي موجهة بعناية لضمان تأثيرها على المدى الطويل. في مقدمة هذه القطاعات، يأتي تطوير البنية التحتية، التي تعتبر الركيزة الأساسية لأي عملية إعمار. فمن دون بنية تحتية متطورة، لا يمكن بناء دولة حديثة ولا جذب الاستثمارات أو تحقيق النمو الاقتصادي المستدام.
قطاع المياه أولوية
وأكمل الصائغ أن من أبرز المجالات التي تستحق التركيز هو قطاع المياه. حيث تمثل مشاريع تحلية المياه ونقلها، مثل مشروع “أكوا باور”، حلولاً استراتيجية لمواجهة تحديات الأمن المائي الحادة التي تعاني منها سوريا. هذه المشاريع لا تقتصر على توفير الماء للشعب السوري فحسب، بل هي عنصر حاسم في استقرار الوضع المعيشي على المدى الطويل، كما تلعب دوراً مهماً في إعادة بناء القطاع الزراعي السوري، الذي يعتبر أحد الدعائم الأساسية للاقتصاد الوطني.
بنية تحتية للاقتصاد الرقمي
وأضاف الدكتور الصائغ أن قطاع الاتصالات ليس مجرد قطاع خدماتي، بل يشكل البنية التحتية الأساسية للاقتصاد الرقمي. ويُعد هذا القطاع أساسياً في بناء قاعدة حيوية للحكومة الإلكترونية، والتي تسهم بشكل كبير في تحسين الأداء الإداري وتعزيز الشفافية. اقتصادياً، تُعتبر الاتصالات عنصراً حيوياً في دفع عجلة النمو في الدول الصاعدة، وهو ما يعكس أهميته الكبيرة في خطة إعادة إعمار سوريا.
تعزيز الشرايين الاقتصادية
كما أكد الصائغ أن مشروع إنشاء شركة طيران جديدة وتطوير مطار حلب الدولي يتجاوز كونه مجرد مشروع بنائي. فهو يعد خطوة استراتيجية لانتعاش الاقتصاد في شمال سوريا بشكل عام، وفي حلب بشكل خاص، التي تُعتبر العاصمة الاقتصادية للبلاد. هذا التطور سيعزز من حركة التجارة والنقل، ويعمل على فتح أسواق جديدة، ما يسهم في تسريع عملية إعادة الإعمار.
البعد الجيوسياسي لهذه الاستثمارات
السعودية تتبنى السياسة الاقتصادية كدبلوماسية وهذا ما يسمى في الاقتصاد السياسي Economic Statecraft لوصف الكيفية التي توظف بها الدول التجارة والاستثمار والتمويل، وسلاسل الإمداد، لخدمة أهداف سياسية واستراتيجية أوسع من مجرد تحقيق النمو. ووفق هذا المنظور، يصبح الاقتصاد امتداداً للسياسة، وأحد أكثر أدوات النفوذ فاعلية. باختصار أي استخدام الاقتصاد كأداة نفوذ سياسي واستقرار إقليمي.
سوريا والعودة إلى الاقتصاد العربي
تُعتبر الاستثمارات السعودية في سوريا خطوة كبيرة نحو إعادة سوريا إلى المجال الاقتصادي العربي. هذا التوجه له أهمية بالغة، حيث يُعد بمثابة استعادة للروابط الاقتصادية مع الدول العربية، التي لطالما كانت جزءاً أساسياً من الاقتصاد السوري قبل سنوات النزاع. من خلال هذه الاستثمارات، تعود سوريا إلى دائرة التعاون الاقتصادي العربي، ما يعزز من مكانتها في المنطقة ويتيح لها فرصة للمشاركة الفاعلة في إعادة رسم معالم المستقبل العربي المشترك.
الاستثمارات السعودية كمشروع استقرار إقليمي طويل الأمد
يختم الصائغ حديثه قائلاً: يمكننا القول إن الاستثمارات السعودية في سوريا ليست مجرد استثمارات اقتصادية عادية، بل هي جزء من مشروع طويل الأمد يهدف إلى تحقيق استقرار إقليمي وتنمية اقتصادية مستدامة في سوريا والمنطقة. لكن النجاح الفعلي لهذه الاستثمارات يتطلب بيئة تشريعية مستقرة، وإدارة مؤسساتية كفوءة، فضلاً عن مناخ سياسي مستقر يساعد في خلق الظروف المناسبة لنمو هذه المشاريع وتحقيق أهدافها الاستراتيجية.