استعادة الثقة بالمصارف.. حجر الزاوية للتعافي الاقتصادي

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- رشا عيسى:

بعد سنوات عصيبة شهدت تآكلاً غير مسبوق في ثقة المواطنين بالقطاع المصرفي، جراء الحرب، والعقوبات، وانهيار العملة، باتت استعادة هذه الثقة حجر الزاوية لأي تعافٍ اقتصادي في سوريا.
ويرى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، المهندس باسل كويفي، في حديث لـ”الحرية”، أن زيارة السيد الرئيس أحمد الشرع الأخيرة إلى البنك المركزي، ثم لقائه بمديري المصارف الخاصة، تحمل رسالة طمأنة رمزية، وتمثل في الوقت ذاته نقطة انطلاق لمسار إصلاحي جذري، يؤكد أن الثقة لا تُمنح بالكلمات، بل تُكتسب بالأفعال والنتائج الملموسة.
ويؤكد المهندس كويفي أن الزيارة الرئاسية هي رسالة سياسية تؤكد أن القطاع المصرفي أولوية قصوى، حيث يحتاج القطاع المصرفي بشكل عاجل إلى إصلاحات جذرية لاستعادة ثقة السوريين التي تآكلت بسبب سنوات الحرب، والعقوبات، وانهيار العملة، وتجميد المدخرات.

إصلاحات هيكلية وقانونية

ويقترح المهندس كويفي مجموعة من الإصلاحات الهيكلية والقانونية على مستوى النظام المصرفي ككل، لضمان استقراره وشفافيته:
1. استقلالية حقيقية للبنك المركزي، أي يجب أن يُنظر إليه كمؤسسة فنية مستقلة، تتخذ قراراتها بناءً على أسس اقتصادية بحتة لحماية قيمة العملة واحتياطيات البلاد، بعيداً عن كونه أداة لتنفيذ السياسات المالية الحكومية.
2. مكافحة الفساد بشفافية، وإجراء حملة شفافة وحقيقية لمحاسبة المتورطين في قضايا فساد داخل القطاع المصرفي، سواء في المصارف العامة أو الخاصة، مؤكداً أن “السمعة هي كل شيء في القطاع المالي”.
3. رفع العقوبات أو إيجاد حلول بديلة، فالعقوبات الدولية تشل عمل القطاع المصرفي وتعزله عن العالم، ما يستدعي إيجاد حلول مبتكرة.
4. إصلاح قانوني وسياسات نقدية واضحة وذلك يتطلب وضع قوانين مصرفية جديدة تلائم المرحلة الحالية، وتبني سياسات نقدية واضحة تهدف إلى كبح التضخم وتثبيت سعر الصرف وفق المعايير الدولية، بما يساعد على ثبات الأسعار وتحقيق توازن مقبول بين الدخل والإنفاق.
5. دمج البنوك العامة والدفع الإلكتروني: يرى كويفي أن متطلبات المرحلة القادمة تقتضي دمج البنوك العامة مبدئياً لتمكينها من الدخول في شراكات أو تفاهمات أو استثمارات لتأسيس بنوك جديدة، خاصة مع البنوك ذات الوجود العالمي الكبير، كما يشدد على ضرورة إسراع البنوك الخاصة والعامة بعملية الدفع الإلكتروني من خلال خطة واضحة ومحددة المدة يضعها المصرف المركزي للحاق بالركب العالمي.

استعادة ثقة العميل

وعلى مستوى العلاقة المباشرة بين المصرف والعميل، يقترح المهندس كويفي خطوات عملية لتحسين الخدمات والمعاملات منها:
1. رفع سقف السحوبات وإلغاء القيود والسماح للمواطنين بالسحب والإيداع بحرية أكبر، وإنهاء سياسة “التقسيط” للسحوبات التي دمرت ثقة المودعين.
2. إدخال خدمات مصرفية إلكترونية حديثة وتطوير تطبيقات مصرفية آمنة تسمح بإجراء التحويلات ودفع الفواتير وإدارة الحسابات بسهولة وأمان، ما يقلل الفوضى والعمولات العالية في السوق الموازية وشركات الصرافة.
3. الشفافية في أسعار الصرف واعتماد سعر صرف موحد وشفاف، والابتعاد عن تعددية الأسعار التي تخلق بيئة خصبة للفساد والعمولات.
4. تطوير منتجات مالية جديدة وتقديم منتجات تمويلية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وبرامج تمويل عقاري، ما يشجع المواطنين على التعامل مع المصارف كشريك في التنمية وليس مجرد مكان لتجميد الأموال.

رأس المال الاجتماعي

كما يؤكد المهندس كويفي أهمية معالجة الجانب النفسي واستعادة الثقة الاجتماعية، خاصة بعد الأزمات المتتالية:
1. حل أزمة الودائع بالدولار: ويصفها بأنها “القضية الأكثر إيلاماً للمواطن”. ويطالب بالإعلان عن خطة واضحة ومضمونة لتعامل المصارف مع الودائع بالعملات الأجنبية التي جُمّدت لسنوات، مؤكداً أنه “بدون حل لهذه المشكلة، ستبقى الثقة معدومة”.
2. حملات توعية وإعلام شفاف بحيث يطلق البنك المركزي والمصارف الخاصة حملات اتصال مباشرة مع الجمهور لشرح سياساتها الجديدة وخطوات الإصلاح بشكل واضح وصادق.
3. الاستماع لشكاوى المودعين و إنشاء قنوات اتصال فعالة وسريعة للاستماع إلى مشاكل المودعين وحلها، بدلاً من تجاهلها.

الثقة الحقيقية تتطلب أفعالاً ملموسة

إنّ الزيارة الرئاسية تؤكد أن القطاع المصرفي أولوية، لكن لتحويل هذه الرسالة إلى ثقة حقيقية، يجب أن يرى السوريون على أرض الواقع أن أموالهم آمنة (يمكن سحبها واستخدامها)، وأن عملتهم مستقرة (لا تتبخر مدخراتهم بين ليلة وضحاها)، وأن المعاملة عادلة (لا فساد ولا محسوبيات)، وأن المستقبل واضح (هناك خطة اقتصادية شاملة).
ويحذر كويفي من أنه بدون إصلاحات جذرية وحلول عملية للأزمات المالية المستمرة، ستبقى أي خطوة رمزية، وغير كافية لاستعادة الثقة التي فقدت على مدى طويل.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار