الحرية – جهاد اصطيف:
تتشكل شبكة واسعة من العمالة غير النظامية، في الأزقة الصناعية، وبين الورشات الضيقة التي تعمل بلا توقف، تضم آلاف العمال الذين يعملون يومياً دون تسجيل في التأمينات الاجتماعية.
معضلة تبدو في ظاهرها اقتصادية، لكنها في عمقها بنية متشابكة من الضغوط والتواطؤ الصامت وغياب الرقابة.
ففي مدينة أنهكتها الحرب والضائقة المعيشية، يعود العامل الحلبي كل مساء بثياب مبللة بالعرق، وجيب فارغ من النقود، في عيونهم تعب مزمن، وفي أصواتهم خيبة لا تخفى: ” نحن نعمل كي نبقى أحياء، لا كي نعيش”، يقول محمود.ط (20 عاماً) عامل في ورشة خياطة في حي التلل لـ”الحرية”: هكذا تختصر الجملة حكاية آلاف العمال في حلب، ممن تحولوا إلى ضحايا واقع اقتصادي قاس لا يرحم، وظروف عمل صعبة.

أجور لا تكفي الخبز .. ودوام بلا نهاية
بينما تتحدث وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عن تحسين بيئة العمل في القطاع الخاص، يعيش عمال مدينة حلب واقعاً مختلفاً، يقول الشاب علي.أ ( 22 عاماً عامل أمبلاج): “أبدأ عملي في الثامنة صباحاً، وأنتهي أحياناً عند السابعة ليلاً، أتقاضى 600 ألف ليرة أسبوعياً، أي أقل من ثمن طعام أسرتنا ليومين، ومع ذلك لا أجرؤ على الاعتراض خوفاً من الطرد”.
ويضيف شادي .ع (45 عاماً- عامل حدادة): أصحاب الورش يكررون عبارة “الوضع صعب “، لكن من الصعب أيضاً أن أعود إلى أطفالي كل يوم بلا طعام، لم نعد نحلم بالراحة، فقط نريد أجراً يعادل تعبنا.
كما سجلنا شهادة حالة للعامل ” زكريا.ع ” الذي تعرض لإصابة عمل، يقول: “اضطررت لتحمل تكاليف العلاج كاملة، وكدت أن أفقد عملي نهائياً، إلا أن صاحب الورشة قرر في اللحظة الأخيرة عودتي إلى الورشة بعمل وأجر جزئي، بعد تدخل رفاقي وإلحاحهم الشديد على صاحب الورشة نظراً لوضعي الصعب مادياً ومعنوياً”.
هذه الشهادات تكشف عمق المأساة التي يعيشها العمال غير المنظمين، الذين لا عقود عمل لهم ولا تأمين، ولا تعويضات في حال الإصابة أو المرض، المشهد يتكرر في ورشات النسيج والنجارة والحدادة والمواد الغذائية وغيرها.
واللافت أن معظم هذه الورشات تعمل بشكل نظامي من حيث التراخيص، لكنها تبقي عمالها في دائرة ” اللامرئي ” يقول أحد العمال : “نعمل منذ الصباح حتى المساء، لكننا على الورق غير موجودين”.
صوت صاحب العمل
في المقابل، يبرر مصطفى أحمد صاحب ورشة خياطة موقفه قائلاً: “الكهرباء مقطوعة معظم الوقت، والمازوت غال جداً والضرائب تزداد، أنا لا أستغل أحداً، لكن إن لم أخفض المصاريف سأتوقف عن العمل نهائياً، وعندها سيخسر الجميع”.
فيما يؤكد أصحاب الورشات أن تسجيل العمال يرفع التكاليف الشهرية بشكل لا يسمح أساساً ببقاء الورشة مفتوحاً يضيف صاحب ورشة الخياطة أن الربح قليل وإذا التزمت بالتأمينات تغلق الورشة ببساطة.
لكن المفارقة، كما يعلق العامل “علي” أن بعض أرباب العمل ” يتذرعون بالأزمة لتبرير كل شيء”، حتى وإن كانت أرباحهم ثابتة أو مقبولة، فأغلب العمال يعملون بنظام الأجر اليومي، وهو ما يسهل على أصحاب العمل تفادي الالتزام القانوني، وفي هذا النموذج يمكن استبدال العامل خلال يوم واحد، ما يجعل أي مطالبة بالحقوق مخاطرة غير محسوبة.
الخلل في هيكل الأجور
يكشف الخبير الاقتصادي فادي حمود في حديث لـ” الحرية ” أن ما نراه اليوم في سوق العمل السوري هو نتيجة مباشرة لغياب العدالة في توزيع الدخل، فالأجور لم تلحق بمعدل التضخم الذي تجاوز أضعاف ما كان عليه قبل سنوات، العامل بات يعيش تحت خط الفقر، ما ينعكس سلباً على الإنتاجية والاستقرار الاجتماعي.
ويضيف أن الحكومة المعنية مطالبة بإعادة النظر في الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص وربطه بمؤشر الأسعار الفعلي، إضافة إلى تفعيل نظام رقابي مستقل لمتابعة تطبيق قوانين العمل، بالخصوص أن العمل غير المسجل أصبح على مدى سنوات “عرفاً ” في كثير من الصناعات الحلبية، وبالتحديد في الورشات الصغيرة، فما كان في الأصل مخالفة أصبح ” ثقافة” تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل.
فيما يشير الخبير الاجتماعي حيدر السلامة إلى أن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل تحولت إلى نفسية وإنسانية، والعامل الذي يشعر بأنه مجرد رقم في آلة دون تقدير أو احترام، يفقد الدافع للإنجاز، وهذا أخطر من الفقر المادي، والعديد من العمال اليوم يفقدون الثقة بكل شيء، ما يولد شعوراً بالقهر والإحباط، ويدفع بعضهم للبحث عن طرق بديلة للهجرة أو العمل في السوق السوداء.
فراغ يحكمه الخوف
يتحدث محمد عوض عامل قديم في معمل غذائي، قائلاً : قديماً كانت النقابة تزورنا، وتسأل عن ظروفنا، اليوم لا أحد يسأل، صار العامل يواجه لوحده صاحب العمل والدنيا كلها، في حين يؤكد عدد من العمال أن غياب دور النقابات والاتحادات الفاعل جعلهم بلا صوت أو مظلة قانونية تحميهم، بينما تكتفي الجهات المعنية بالتصريحات أو الزيارات الشكلية. وأفاد عدد من العمال أن زيارات التفتيش قليلة وغير فعالة، وغالباً ما كانت تبلغ الورشات بموعد الزيارة مسبقاً عبر شبكات غير رسمية.
ويعلق تركي الخليل خبير في شؤون العمال، قائلاً : “العمال بحاجة إلى إطار تنظيمي مستقل، غير خاضع للبيروقراطية، يستطيع الدفاع عنهم بجرأة، فالوضع الحالي يجعل من العامل الحلقة الأضعف دائماً في السلسلة الإنتاجية، والعمال الذين لا يمتلكون تأميناً أو عقداً يتعرضون للطرد دون إنذار، ودون الحصول على أي تعويض أو راتب تقاعدي أو رصيد سنوات خدمة، بمعنى آخر : الزمن يصبح عبئاً على العامل بدل أن يكون ضمانة له”.

بين القانون والإرادة
أحد النقابيين بحلب الذين تم التواصل معهم ” فضل عدم ذكر اسمه ” أوضح أن عدد العمال غير المسجلين قد يكون الأكبر في القطاع الخاص، بالخصوص في ورشات الصناعات الصغيرة، ويشير إلى أن النقابات لديها أدوات قانونية لكنها لا تملك القدرة التنفيذية الكافية، لأن المشكلة مرتبطة بالاقتصاد وليس بالقوانين فقط.
تظهر دراسة محلية أن نحو 70% من عمال القطاع الخاص في حلب يعملون دون عقود نظامية، وأن نصفهم تقريباً يتقاضون أجوراً أقل من الحد الأدنى الرسمي. ويؤدي هذا الواقع إلى نتائج مباشرة أبرزها، تراجع القوة الشرائية وبالتالي انخفاض الطلب في الأسواق، وازدياد الهجرة الداخلية نحو مناطق العمل الأقل كلفة أو نحو الخارج، وتفاقم الفقر الأسري وارتفاع معدلات عمالة الأطفال، وتراجع الكفاءة والإنتاجية نتيجة الإرهاق وضعف الحافز.
ما هو رأي الجهات المسؤولة ؟
أمام هذا الواقع، ورداً على سؤال ” الحرية ” لكل من مؤسستي التأمينات الاجتماعية والشؤون الاجتماعية والعمل بحلب، وبعد جلسة مشتركة بين عمري عمري رئيس دائرة العمل الصناعي في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل وفتحي محمود محمد رئيس دائرة تفتيش التأمينات الاجتماعية، أكدا أن سبب تهرب أصحاب العمل من تسجيل العمال في التأمينات الاجتماعية له أسباب عدة، أهمها:
- ضعف الوعي لدى أصحاب العمل بقانون العمل والتأمينات والمزايا والحقوق في حال تسجيل العمال.
- تجنب دفع الاشتراكات المالية، ما يقلل الأعباء المالية على أصحاب العمل.
- التهرب من الالتزام بالقوانين تجنباً للإجراءات القانونية.
- عدم استقرار العمال لدى صاحب العمل بحثاً عن أجور أفضل. الأمر الذي يدفع أصحاب العمل لعدم تسجيلهم خوفاً من الإجراءات القانونية.
- وكذلك عدم قبول العمال لإبرام عقود عمل معهم خوفاً من الالتزام بالعقد وتعرضهم للمسؤولية.
وفيما يتعلق بالإجراءات المتخذة تجاه هذه الظاهرة، أوضح الرد أن المديرية المعنية أقامت ندوات حوارية توعوية مع أصحاب العمل والعمال في غرف الصناعة والسياحة لتعريفهم بقانون العمل والتأمينات، كما قامت بالعديد من الجولات التفتيشية المشتركة مع الجهات المختصة إلى داخل المنشآت لتعريفهم بالحقوق والواجبات والمزايا وضرورة تسجيل كافة العمال.
وختم رد المديريتين بالقول إنه تم تنظيم نحو ” 236 ” استمارة تفتيشية خلال الفترة الممتدة من 15/9/2025 إلى 15/12/2025 وحدها، كما تم تسجيل نحو ” 2402 ” عامل جديد ضمن المنشآت المزارة.
من صوت العامل إلى ضمير الوطن
في النهاية، ليست قضية عمال حلب مسألة أجور وأرقام فحسب، بل قضية كرامة وعدالة اجتماعية، فالمدينة التي أعادت بناء نفسها مراراً، تحتاج اليوم إلى أن تعيد الاعتبار لمن يبنيها كل يوم بيديه المتعبتين.
وفي الوقت الذي تزداد فيه صعوبة الحياة، تبقى مطالب العمال بسيطة: أجر عادل، معاملة محترمة، وحق في العيش الكريم. فهل يسمع صوتهم أخيراً قبل أن يختنق تماماً بين ضجيج المكنات وصمت المعامل؟.