الحرية– بشرى سمير:
حي الحمراوي هو واحد من أحياء دمشق التي عانت من الاستملاك في زمن النظام البائد ويمثل أحد الأحياء التاريخية العريقة التي تحمل بين أزقتها ومنازلها تراثاً معمارياً وإنسانياً يعود لمئات السنين.
ومع تعاقب السنوات وخاصة في ظل الظروف التي مرت بها سوريا في الـ14 عاماً الماضية أصبح هذا الحي كغيره من الأحياء القديمة بحاجة ماسة إلى الترميم والحفاظ على هويته التاريخية لكونه مستملكاً كانت مطالب السكان بضرورة منحهم تراخيص لترميم منازلهم تواجه بالرفض من قبل حكومة النظام البائد.
زقاق ابن نوح
ويروي لنا الدكتور ماجد الحسامي أستاذ في التاريخ وأحد أبناء حي الحمراوي قصة استملاك الحي التي بقيت عالقة لعقود حيث يُعد حي الحمراوي جزءاً من دمشق القديمة، ويتميز بطابعه العمراني التقليدي الذي يجمع بين الطراز العربي الإسلامي والتأثيرات العثمانية.

الحي تاريخياً كان يسمى زقاق ابن نوح، قبل أن يبني القاضي كمال الحمراوي في عام 1480 داراً كبيرة ليقتبس الاسم منه، ثم بنى أسعد باشا العظم، قصر العظم على حدود هذه الزقاق.
يضم الحي سوقاً مشهوراً اسمه “سوق الصاغة”، الذي تعرض لحريق في 1960 التهم جميع المحلات، ما دفع المشير عبد الحكيم عامر، نائب رئيس الجمهورية المتحدة حينها، إلى إصدار قرار باستملاك أحياء وأزقة الحي.
شهد الحي عبر تاريخه تحولات اجتماعية وديموغرافية متعددة، حيث كان موطناً لعائلات دمشقية عريقة، وتحول تدريجياً إلى منطقة ذات كثافة سكانية عالية ومتنوعة، تحوي المنطقة العديد من المباني الأثرية والتراثية التي تعكس تاريخ المدينة العريق.
تأهيل البنى التحتية
ولفت الحسامي أن الهدف كان من الاستملاك هو تنفيذ مشاريع تطويرية وبنية تحتية وفتح ممرات وطرق لخدمة الحركة المرورية وإعادة تاهيل البنى التحتية المتهالكة وحماية التراث المعماري لكون الحي قديماً .
ظلم للسكان
ولفت الحسامي أن استملاك الحي لم يترافق بتعويض السكان، بشكل لا يتناسب مع القيمة الحقيقية لعقاراتهم كما أنه أسهم في تفكيك النسيج الاجتماعي للحي التاريخي، وتهجير سكان الحي الأصليين الذين عاشوا في المنطقة لعقود وتوراثوا المنزل على أجدادهم وعدم القدرة على التصرف في العقارات إذ لا يستطيع السكان بيع أو نقل ملكية منازلهم وصعوبة الترميم، يتطلب أي عمل ترميم تراخيص معقدة من عدة جهات وتدهور المباني بسبب تعقيد الإجراءات، تدهورت حالة العديد من المنازل التراثية وكان هناك تهجير غير مباشر، بعض العائلات اضطرت لمغادرة منازلها بسبب عدم صلاحيتها للسكن .
انتعاش الآمال
واليوم وبعد تحرير سوريا انتعشت آمال سكان حي الحمراوي في رفع الاستملاك عن حيهم وخاصة أنه يغص بالبيوت الشامية العريقة والمحال التجارية ومنحهم التراخيص لترميم منازلهم ومحالهم بما يتناسب مع الطبيعة التراثية للمنازل وتسوية أوضاع الملكية والاعتراف بحقوقهم التاريخية في المساكن وإشراكهم في خطط ترميم الحي كشركاء وليس كمتلقين للقرارات وتوفير دعم مالي وفني لترميم منازلهم بما يحافظ على طابعها المعماري.
السماح بالترميم
ويرى الدكتور الحسامي أن رفع الاستملاك والسماح بالترميم يسهم في الحفاظ على التراث المعماري الأصيل ويمكن للسكان المحليين، بمساعدة خبراء في الترميم الحفاظ على الطابع المعماري التراثي والقديم لمنازلهم بشكل أفضل من المشاريع التجارية الكبيرة التي قد تهمل التفاصيل التاريخية، ومن جانب آخر يسمح هذا الأمر باستمرار الحياة الاجتماعية والثقافية في الحي، والحفاظ على النسيج الاجتماعي المترابط الذي يميز الأحياء التاريخية. وأضاف الحسامي: السماح بالترميم يحفز تملك السكان لمنازلهم وترميمها على الاستثمار في المنطقة، ما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد المحلي وفرص العمل بدلاً من تحمل تكاليف الاستملاك والتعويضات وإعادة الإعمار ويمكن للدولة أن تدعم السكان من خلال توفير قروض ميسرة أو إعفاءات ضريبية للترميم.
كما أن تعاون الأهالي في ترميم حيهم يشعرهم بالانتماء والمسؤولية تجاه حيهم عندما يكون لهم دور فعال في تطويره والحفاظ عليه وبتوفير التراخيص والإشراف الفني، يمكن توجيه عمليات الترميم والتجديد نحو الطرق السليمة التي تحافظ على الهوية المعمارية.
إنشاء صندوق لدعم الترميم
من جانبه أيمن عتمة عضو مجلس محافظة سابق أشار إلى أن تطبيق سياسة منح التراخيص للترميم قد يواجه عدة تحديات أبرزها محدودية القدرات المالية لكثير من السكان ونقص الخبرات الفنية في الترميم التراثي وصعوبة التوفيق بين متطلبات الحياة الحديثة والحفاظ على الطابع التراثي.
ويقترح عتمة إنشاء صندوق حكومي لدعم ترميم المنازل التراثية يقدم قروضاً ميسرة والعمل على تدريب أو التعاون مع حرفيين محليين على تقنيات الترميم التراثي، مع تأكيد ضرورة تبسيط إجراءات منح التراخيص مع الحفاظ على المعايير الفنية وإشراك المجتمع المحلي والخبراء في وضع خطط تطويرية تخدم احتياجات السكان وتحافظ على التراث و توفير حوافز ضريبية للمبادرات الفردية والعائلية في الترميم.
منوهاً بإمكانية الاستفادة من تجارب بعض الدول العربية في هذا المجال التي نجحت في الحفاظ على أحيائها التاريخية مثل تجربة اسطنبول في ترميم الأحياء التاريخية مع الحفاظ على سكانها الأصليين وتجربة القاهرة في إعادة تأهيل منطقة الجمالية.
حفاظ على الذاكرة التاريخية
وختم عتمة بالقول: إن الحفاظ على حي الحمراوي في دمشق ليس مجرد ترميم حجارة وأبنية، إنما هو حفاظ على ذاكرة مدينة وتاريخ أمة ونسيج اجتماعي حي. وأضاف: بينما قد تكون للاستملاك أهداف تنموية مشروعة، إلا أن سياسة منح التراخيص للسكان لترميم منازلهم تقدم حلاً أكثر استدامة وإنسانية.
هذا النهج يحقق توازناً بين متطلبات التطوير العمراني وضرورات الحفاظ على التراث، مع احترام حقوق السكان وانتمائهم لأحيائهم. يتطلب ذلك إرادة سياسية ورؤية تنموية شاملة تعطي الأولوية للإنسان والتراث معاً، وتتحول من منطق الإحلال إلى منطق التطوير التشاركي الذي يجعل السكان شركاء حقيقيين في حماية تراثهم وإعادة إعمار حياتهم وحي الحمراوي هو جزء من دمشق القديمة، وهو منطقة مدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي.
قضية حي الحمراوي ليست مجرد نزاع على ملكية عقارات، بل هي قضية هوية وتراث وعدالة اجتماعية. السكان ليسوا عائقاً أمام الحفاظ على التراث، بل هم حراسه الحقيقيون وأكثر من له مصلحة في الحفاظ عليه.
الحل ليس في تهجيرهم أو تجاهل مطالبهم، بل في إشراكهم كشركاء في حماية تراثهم ومعاشهم. وإن مطالب أهالي حي الحمراوي هي مسألة الاعتراف بحقهم في البقاء في ذاكرتهم الجماعية، وفي منازل تحمل قصص أجدادهم. وقد حان الوقت لإنصافهم وتمكينهم من حماية هذا التراث الإنساني الفريد الذي لا يقدر بثمن.