الحرية _ أنطوان بصمه جي :
بعد سنوات الحرب التي أجبرت على إغلاق باب خان الشونة المطل على قلعة حلب الأثرية، انفتحت أبواب الخان العتيق مجدداً، ليفوح منه مزيج المكان الأثري من رائحة الصابون الغار الحلبي، وتفاصيل المشغولات اليدوية المختلفة، تجمعهم مظلة سوق “جارة القلعة” التي رفعت شعار “حلب تعيد الحياة بين الماضي والحاضر” ليشكل منصة تجارية تكسر الحلقات التجارية بين المنتج والزبون وبالتالي وصول المنتج بأسعار مخفضة عن الأسواق المحلية.
وشهدت مدينة حلب تغيراً في خطوات أهاليها في “خان الشونة” مساء أمس من مجرد عبور سياحي في مكان أثري إلى إعلان عن عودة الحياة لواحد من أعمدة الاقتصاد المجتمعي في حلب.
بين الأجنحة المنتشرة داخل الخان تتنوع منتجات المشاركين لتصبح منصة عرض للزوار وتتويج لمسار تأهيلي أطلقته وحدة دعم الاستقرار بالتعاون مع محافظة حلب ومديرية الآثار والمتاحف بحلب، إذ يهدف مشروع سوق جارة القلعة بشكل استراتيجي إلى دعم المشاريع الصغيرة عبر منح المنتجين المحليين مساحة منظمة وآمنة، تخرجهم من ضيق الإنتاج الفردي إلى سعة السوق المنظم.
وأكد منذر سلال مدير وحدة دعم الاستقرار خلال تصريح خاص لـ “الحرية” أن هذا الحراك سبقته “ورشة عمل مكثفة” ركزت على “فلسفة البيع والاستدامة”، حيث شمل البرنامج التدريبي محاور جوهرية مثل بناء القيمة المقترحة للمنتج المحلي، وفنون السرد القصصي وربط المنتج بالهوية الثقافية، وآليات التسعير العلمي لضمان الاستدامة المالية، وأخلاقيات السوق وبناء ولاء الزبائن.
وأكد مدير وحدة دعم الاستقرار أن السوق يشكل استدامة للمستفيدين، حيث يركز المشروع على العائدين من الشمال السوري وتركيا لتعزيز عودتهم وصمودهم وتسريع انخراطهم في المجتمع المحلي، مبيناً أن للنساء دوراً كبيراً فهذا السوق بمثابة صديق للنساء، حيث يشكل منصة لبيع منتجاتها المشغولة يدوياً وعرضها أيام السبت في السوق، وكشف سلال أن العدد الإجمالي للمشاركين بلغ 80 جناحاً، وتشكل مشاركة النساء نسبة كبيرة تقارب 85 بالمئة .
وأضاف مدير وحدة دعم الاستقرار إن الهدف الرئيسي إضافة للبيع هو بناء صداقات عمل وتشبيك بين المنتجين لخلق كتلة اقتصادية متماسكة، مبيناً أهمية التعاون الجماعي بين المتطوعين والمشاركين لتقديم ما تتميز به مدينة حلب.

واستطاعت المشاركة ريما مصطفى رائدة أعمال في التريكو والكروشيه حجز مشاركتها في السوق من خلال عرض منتجاتها المتعلق بعمل المخرز، مبينة أن مشاركتها الأولى تساهم في عرض وتسويق منتجاتها بشكل مباشر والتعرف على زبائن جدد، وتعرض مصطفى منتجاتها بسعر مخفض بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك بنسبة تخفيض تصل إلى 30 بالمائة.
المشاركة فاطمة حمادة الكرمو تفرد منتجاتها التراثية المتعلقة بالمطبخ الحلبي من “اليبرق والكباب بأنواعه المتعددة واليلانجي”، حيث تقدمت السيدة بحسومات لتشجيع الزوار على شراء منتجاتها بتخفيض يصل إلى 20 بالمائة، مبينة أن المشروع تضمن تدريباً نوعياً ركز في محاوره على كسر الحاجز بين الحرفي التقليدي والتكنولوجيا الحديثة من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة وتحليل المشاريع الصغيرة، وتصوير المنتجات وتعديلها عبر أدوات متطورة مثل Nano Banana وتصاميم Canva، وتحويل الصور الثابتة إلى فيديوهات تفاعلية عبر تطبيق VN، مما يمنح المشاريع الصغيرة قدرة تنافسية في عالم التسويق الإلكتروني.
تقول المشاركة سراب سلمو المتخصصة في صناعة الشوكولا والحلويات، وهي تقف خلف طاولتها ترحب بزوار السوق: “هذه المبادرة لم تمنحنا مكاناً للعرض فقط، بل منحتنا الثقة، وأن التدريب على التغليف والعرض البصري جعل منتجاتنا تنافس الماركات التجارية الكبرى. بالنسبة لنا كنساء ومنتجين، هذا السوق هو الرئة التي نتنفس منها اقتصادياً في ظل الظروف الصعبة”.
وبيّن عدد من زوار السوق أن خان الشونة يمثل رسالة سلام لمدينة حلب وقوامها العمل، مؤكدين أن تمكين المشاريع الصغيرة هو الضمانة الحقيقية لاستقرار المجتمعات، حيث تتحول الأماكن الأثرية من “شواهد صامتة” إلى “أسواق للمنتجين”.
الجدير ذكره أن سوق “جارة القلعة” يفتح أيام السبت فقط ولمدة ثلاثة أشهر ويفتتح أبوابه أمام الزوار من الساعة 8 حتى 1 ليلاً.