الأرجوان الأوغاريتي بين الدلالة اللغوية والوظيفة الاقتصادية.. دراسة توثيقية تنهي جدل “الحرير” البرونزي

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحريةـ باسمة إسماعيل:

تكشف النصوص المسمارية المكتشفة في موقع رأس شمرا عن جانب مهم من البنية الاقتصادية والحرفية لمدينة أوغاريت، خلال العصر البرونزي المتأخر (القرنان الرابع عشر–الثاني عشر قبل الميلاد).
وفي دراسة لغوية اقتصادية جديدة، يعيد الدكتور غسان القيم الباحث في التراث ومدير موقع أوغاريت، قراءة الألفاظ المرتبطة بصناعة النسيج والصباغ الأرجواني، مستنداً إلى ترجمات الألواح المسمارية، بهدف ضبط الدلالة العلمية لهذه المصطلحات وتصحيح بعض المفاهيم الشائعة.

حضور واضح لصناعة النسيج في النصوص

بيّن الدكتور القيم في حديثه لـ”الحرية” أن الدراسة تتناول الألفاظ الواردة في النصوص الفخارية الأوغاريتية، مركزة على تحليل دلالاتها اللغوية والاقتصادية والوظيفية.
وأوضح أن مادة الصوف ترد في عدد من النصوص الإدارية بلفظة ṣpn / ṣūnu، غالباً في سياقات الجرد والتوزيع والتقديمات الطقسية، ما يؤكد أنها كانت المادة الخام الرئيسة في صناعة النسيج، انسجاماً مع البيئة الاقتصادية للمنطقة.
كما تظهر لفظة ḫṭ / ḫuṭu بمعنى “خيط”، في إشارة إلى مرحلة الغزل التي تسبق النسيج، وهو ما يعكس إدراكاً تقنياً لتسلسل العملية الإنتاجية. ويرتبط فعل nṣg (نسج) بذكر فئات من العمال مثل ʿbd nṣg (عمال النسيج)، بما يدل على تنظيم إداري للحرفة وخضوعها لإشراف السلطة، أما المنتجات النهائية فترد تحت مسميات مثل kbd / kibtu (ثوب كساء)، في سياقات التخزين أو التقديم إلى المعابد والقصور.

الأرجوان: قيمة رمزية واقتصادية

وأكد القيم أن مصطلح argm/ arugamannu يعد من أبرز الألفاظ المرتبطة بالصباغ، ويرد في سياقات تدل على منسوجات عالية القيمة، وضمن تقديمات ملكية أو طقسية، ما يعكس البعد الرمزي والاقتصادي للأرجوان في المجتمع الأوغاريتي، مبيناً أنه رغم أن النصوص لا تقدم وصفاً مباشراً لعملية استخراج الصباغ، فإن الموقع الساحلي للمدينة، إلى جانب الأدلة الأثرية في شرق المتوسط، يرجح ارتباط الأرجوان بصباغ الأصداف البحرية، من دون ورود ذكر صريح للأداة أو الحيوان البحري المستخدم في الاستخراج.

لا دليل على صناعة الحرير

وشدد القيم على أن corpus النصوص الأوغاريتية، المنشور في كتالوجات KTU، يخلو تماماً من أي إشارة إلى دودة القز أو خيوط الحرير أو تربية الحشرات لأغراض نسيجية، ويكتسب هذا الغياب دلالة منهجية واضحة، إذ يشير إلى أن الحرير لم يكن جزءاً من المنظومة الإنتاجية في أوغاريت خلال العصر البرونزي المتأخر، وعليه، فإن وصف المنسوجات الأوغاريتية بأنها “حريرية” لا يستند إلى دليل نصي، بل إلى إسقاط تاريخي لاحق، ما يستدعي إعادة تقييم دقيقة للنصوص الأصلية وحدود ما يمكن استنتاجه منها.

منهجية الدراسة

وأشار الباحث إلى أنه اعتمد على منهج تحليلي وصفي يقوم على:
ـ فحص الألفاظ المرتبطة بالنسيج والصباغ في النصوص الأوغاريتية المنشورة.
ـ تحليل السياق الإداري والاقتصادي لورود هذه المصطلحات.
ـ الفصل المنهجي بين المعطيات النصية الموثقة والاستنتاجات التاريخية اللاحقة.

ذروة رمزية واقتصادية

وتابع: تظهر النتائج أن صناعة النسيج في أوغاريت كانت حرفة متقدمة ومنظمة، اعتمدت أساساً على الصوف والكتان، وبلغت ذروة رمزية واقتصادية من خلال استخدام الصباغ الأرجواني، الذي ارتبط بالسلطة والطقوس الدينية.
وختم: تخلص الدراسة إلى أن الأوغاريتيين نسجوا الصوف والكتان بمهارة مدينة بحرية عريقة، وصبغوا خيوطهم بأرجوان الأصداف حتى غدت منسوجاتهم رمزاً للثراء والقداسة والسلطة. أما “الحرير” في السياق الأوغاريتي البرونزي، فليس سوى توصيف حديث يفتقر إلى السند النصي، ما يجعل رفضه علمياً ضرورة منهجية تفرضها دقة القراءة واحترام المصادر.
ويمكننا  وبأمان  رفض لفظ “حرير” في السياق الأوغاريتي البرونزي.

Leave a Comment
آخر الأخبار