الحرية – نهلة أبوتك:
في وقت تبحث فيه سوريا عن مسارات واقعية لتعافي اقتصادها، يبرز القطاع الزراعي مجدداً كخيار استراتيجي قادر على إحداث تحول حقيقي في بنية الاقتصاد الوطني. فالزراعة ليست مجرد نشاط إنتاجي، بل ركيزة للأمن الغذائي ومصدر مباشر لاستعادة التوازن الاجتماعي عبر دعم الطبقة الوسطى المنتجة.
ويؤكد الخبير الاقتصادي في الشؤون الزراعية، الدكتور صفوان الحلبي، أن
الزراعة في سوريا تمتلك كل المقومات لتكون قاطرة للنمو الاقتصادي، لكن ما يعوق تطورها هو غياب الإدارة المتكاملة وضعف الربط بين الإنتاج والتصنيع. القطاع يحتاج إلى رؤية شاملة تربط كل حلقات سلسلة القيمة من الأرض إلى المستهلك، مع تمويل مستدام يحقق استمرارية وفعالية حقيقية.
ورغم ما تمتلكه سوريا من ميزات تنافسية واضحة، بدءاً من تنوعها المناخي وتربتها الخصبة، وصولاً إلى الخبرات المتراكمة لدى المزارعين، إلا أن هذا القطاع لم يُستثمر بالشكل الكافي خلال السنوات الماضية، ما أدى إلى تراجع دوره وتحول البلاد من مصدر للغذاء إلى مستورد يستنزف مواردها من القطع الأجنبي.
الزراعة… فرصة ضائعة أم نقطة انطلاق؟
يشير الحلبي إلى أن التحدي الأساسي لا يكمن في نقص الموارد، بل في طريقة إدارة القطاع.
مضيفاً: الزراعة السورية يمكن أن تعيد تشكيل الاقتصاد الوطني، لكن أي خطة لا تستند إلى بيانات حقيقية ومؤشرات أداء واضحة ستبقى نظرية صعبة التطبيق على أرض الواقع.
هذا الخلل انعكس مباشرة على الأسواق، حيث ارتفعت تكاليف الإنتاج، ما أدى إلى زيادة أسعار المنتجات المحلية، وبالتالي تراجع القدرة الشرائية للأسر السورية، في حلقة اقتصادية تربط بين الإنتاج والدخل والتضخم.
تعدد المؤسسات وغياب التنسيق
إدارة القطاع الزراعي تتوزع بين عدة جهات ومؤسسات، ما يؤدي إلى تضارب القرارات وتأخر التنفيذ. وهذا التشتت الإداري يضعف فعالية أي استراتيجية وطنية، خاصة في ظل غياب قاعدة بيانات دقيقة وموحدة.
بين الدعم المؤقت والاستدامة
ويضيف الحلبي: أحد أهم معوقات تطور الزراعة في سوريا هو التمويل غير المستدام. العديد من برامج الدعم قصيرة الأمد وتغطي موسماً واحداً فقط، بينما الحل الحقيقي يكمن في ربط التمويل بالنتائج والإنتاجية، بحيث يتحول الدعم من أداة إسعافية مؤقتة إلى محفز دائم يعزز الكفاءة ويضمن استمرارية التنمية الزراعية.
هذا النهج، بحسب الحلبي، سيحول القطاع من مجرد نشاط إنتاجي إلى محرك اقتصادي متكامل، قادر على توفير آلاف فرص العمل وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
استثمار الأمطار في تعزيز القطاع الزراعي
مع وفرة الهطول المطري الأخيرة، تتاح فرصة استثنائية لإعادة النشاط للقطاع الزراعي. فالمياه، المصدر الأساسي للحياة، يمكن توظيفها ليس فقط في ري المزروعات، بل في تحديث نظم الري وتطبيق تقنيات الزراعة الذكية التي تقلل الهدر وتزيد الغلة. الاستثمار الذكي في شبكات التجميع والتخزين، وربطها بخطط إنتاجية مدروسة، يمكن أن يحول الأمطار الموسمية إلى دفعة قوية لإحياء المحاصيل الاستراتيجية، مثل القمح والشعير والزيتون، وبالتالي تعزيز الأمن الغذائي وتخفيف الاعتماد على الاستيراد.
من الإنتاج الخام إلى سلاسل القيمة
التحول الحقيقي في القطاع الزراعي لا يتحقق بزيادة الإنتاج فقط، بل بإعادة بناء سلاسل القيمة، بدءاً من الإنتاج، مروراً بالتخزين والنقل، وصولاً إلى التصنيع والتسويق.
ويشير الحلبي إلى أن تحويل المواد الخام إلى صناعات تحويلية كالنسيج والزيوت والصناعات الغذائية، يعزز القيمة المضافة ويوفر فرص عمل للشباب، ويضع الزراعة في قلب استراتيجية النمو الاقتصادي.
شرط الاستقرار
في ظل الانفتاح الاقتصادي، تصبح حماية المنتج المحلي ضرورة، لا خياراً. فتنظيم الاستيراد، خاصة للمنتجات التي يمكن إنتاجها محلياً، يسهم في دعم المزارع وضمان هامش ربح عادل، يشجعه على الاستمرار في العمل. كما أن استقرار الإنتاج المحلي ينعكس مباشرة على استقرار الأسعار، ما يسهم في تخفيف التضخم وتحسين مستوى معيشة الأسر.
التحدي الأكبر
المياه والطاقة يمثلان حجر الأساس لأي استراتيجية زراعية ناجحة، خاصة في ظل التغيرات المناخية. لذلك، فإن تبني تقنيات الري الحديث، وربط الدعم بكفاءة استخدام الموارد، أصبح ضرورة ملحّة. إلى جانب ذلك، فإن بناء قاعدة بيانات وطنية دقيقة حول الإنتاج والاستهلاك يشكل خطوة أساسية نحو تخطيط زراعي فعال وقابل للتنفيذ.
من الدعم إلى النمو
يختم الحلبي بالقول: إعادة تموضع الزراعة تتطلب تحولاً جذرياً في طريقة التفكير، من كونها ملفاً اجتماعياً إلى قطاع اقتصادي منتج، قادر على قيادة التعافي الاقتصادي إذا توافرت البيئة التشريعية والتنفيذية المحفزة.
ويتضح أن نجاح هذا التحول يحتاج إلى: توحيد المرجعيات الإدارية وتعزيز التنسيق المؤسسي، بناء قاعدة بيانات وطنية دقيقة، ربط التمويل بالإنتاجية والنتائج، تطوير الصناعات التحويلية وسلاسل القيمة، حماية المنتج المحلي وتنظيم الاستيراد، واستثمار الأمطار وتقنيات الري الحديثة.
اليوم، لا تبدو الزراعة في سوريا مجرد خيار اقتصادي، بل ضرورة وطنية. فهي القادرة على تحقيق الأمن الغذائي، وتوليد فرص العمل، واستعادة التوازن الاجتماعي عبر تمكين الطبقة الوسطى. الأرض السورية لا تزال قادرة على العطاء، لكن ما تحتاجه فعلياً هو بيئة تشريعية وتنفيذية محفزة تعيد الاعتبار للمزارع كعنصر أساسي في معادلة التعافي.
فهل تتحول الزراعة إلى قاطرة النمو التي ينتظرها الاقتصاد السوري؟ الإجابة تبدأ من القرار… وتنتهي على مائدة المواطن.