ارتفعت نسبته إلى 35 بالمئة.. الطلاق في سوريا: الأسباب المتشابكة وندم ما بعد الفراق!

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- إلهام عثمان:
في بيوتٍ أُغلقت أبوابها يوماً، تتردَّد اليوم قصص صامتة عن أسر تفرَّقت بفعل الحرب أو تشتَّت بسبب الهجرة، لم تعد الحرب وحدها تسرق من السوريين أحلامهم واستقرارهم، بل جاءت تبعاتها الاقتصادية والاجتماعية لتفكِّك ما لم تستطع القذائف تحطيمه “الأسرة”.
وفي حين يُعد الانفصال أحياناً “رصاصة رحمة” بعد محاولات فاشلة لإنقاذ العلاقة، يظل السؤال الأبرز: لماذا يطفو الندم على السطح بعد الطلاق؟ ظاهرة متجددة تفتح ملفاً إنسانياً معقداً.

ما وراء “أبغض الحلال”

وعن قصص من واقع الندم يحكي أحمد (41 عاماً) مهندس، عن انفصاله عن زوجته التي أحبَّها بسبب رفض والدتها المستمر، حتى بعد زواجه بامرأة أخرى. يقول: “أشعر بندم شديد لأنني تخلَّيت عن حبي الأول لإرضاء أمي، والآن أعيش باكتئاب دائم”.
من جانبها، تروي م.ك (37 عاماً) أنها تندم على طلاقها وتلوم نفسها لأنها “لم تتحمل أكثر” مزاجية زوجها وتحيزه لمصلحة أخواته، رغم أنها تدرك أن تغيير الطباع ليس سهلاً.
أما سارة (32 عاماً)، موظفة حكومية ومطلقة حديثاً، فتُرجع سبب انهيار زواجها الذي دام ست سنوات للضغوط الاقتصادية الخانقة: “تحوّل كل حديثنا إلى المال والديون، وانتهى الأمر بالانفصال كخيار وحيد لنفسح المجال أمام فرص أفضل، وإن كانت مؤلمة”.

الهجرة والتباعد العاطفي

تُوضح الخبيرة الاجتماعية آية رضا أن أسباب الطلاق تتراوح بين الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، لكنها تترك ندوباً عميقة، وخاصة على النساء، وتشير إلى أن موجات الهجرة المتتالية أدت إلى تفكك آلاف الأسر، حيث يسافر الزوج بحثاً عن عمل أو هرباً من الخدمة الإلزامية (سابقاً)، لتبدأ مسافة عاطفية تبلغ ذروتها بالطلاق “تحصيل حاصل”.
وهنا يشاركنا أبو محمد (45 عاماً)، لاجئ في ألمانيا منذ 2018، تجربته قائلاً.. كنت أرسل المال بانتظام، لكن البعد حوّلنا إلى غرباء. هي تتحدث عن انقطاع الكهرباء في سوريا، وأنا أتحدث عن قوانين اللجوء في ألمانيا. انتهى بنا المطاف بالطلاق هادئين عبر الهاتف.

القتل الصامت

يعد الوضع الاقتصادي كمحفز رئيسي، هذا ما كشف عنه المحامي أسامة فرهود، المتخصص في قضايا الأحوال الشخصية، عبر حديثه مع صحيفة “الحرية”، وأن معدلات الطلاق ارتفعت بنسبة قد تصل إلى 35% خلال السنوات الخمس الماضية، وفق بيانات غير رسمية من محاكم ومكاتب محاماة في عدة محافظات. ويُبرز أن الأسباب لم تعد تقتصر على الخلافات التقليدية، بل أصبح الدافع الاقتصادي المباشر أو غير المباشر هو المحرك الأساسي.
ويُعلق فرهود: “الرواتب لم تعد تكفي أساسيات الحياة لأسبوع، ما يحوّل الحوار الزوجي من أحلام مستقبلية إلى صراع يومي من أجل البقاء”.

ندوب ما بعد الحرب

وفي هذا الإطار، تُشير الخبيرة النفسية رانيا اليوسفي إلى أن سنوات الحرب خلّفت إرثاً ثقيلاً من الصدمات النفسية والإهمال أحياناً، مثل اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب، دون وجود دعم نفسي كافٍ. وتضيف: “الرجل الذي عاد من جحيم الحرب ليس كما كان، والمرأة التي تحملت مسؤولية الأسرة وحدها لم تعد تقبل بعلاقة غير متكافئة. الفجوة النفسية بينهما قد تكون أكبر من قدرتهما على ردمها”.

ظاهرة الندم

وعن الفرق بين الجنسين والتكلفة المجتمعية ترى اليوسفي أن مشاعر الندم بعد الطلاق تختلف بين الرجال والنساء، فبينما يشعر الرجال غالباً بالندم بسبب التكاليف المادية ومواجهة الوحدة، تتحمل النساء عبئاً مضاعفاً عاطفياً واجتماعياً واقتصادياً. وتوضح: “في مجتمع لا يزال ينظر للمرأة المطلقة بعين الشك أو الشفقة، قد يبدو الصمت على الظلم أسهل من مواجهة وحدانية قاسية”.
وهذا ما تؤكده أميرة (41 عاماً)، مطلقة منذ ثلاث سنوات: “طلبت الطلاق هرباً من إهمال زوجي، لكنني واجهت واقعاً مريراً: العودة إلى منزل الأهل المكتظ، نظرات الشفقة، وصعوبة تأمين لقمة العيش. أحياناً أشك في صحة قراري”.

توصيات وحلول

وحول سياسات الدعم الحقيقي بيّنت رضا: أن هناك خطوات يمكن اتباعها والتي يمكن أن تكون بالعلاج والذي يمكن أن يكون شاملاً ومتعدد الجوانب، بحيث يبدأ ببرامج إرشاد أسري مجانية في المجتمعات المحلية تُعنى بالتوعية قبل الزواج وإدارة الخلافات. كما يجب دمج الدعم النفسي في المراكز الصحية لمعالجة آثار الصدمات، إلى جانب إنشاء صناديق تمويل أُسَرية صغيرة تقدم قروضاً حسنة أو مساعدات عينية لتخفيف الضغط الاقتصادي، مع تعزيز شبكات الأمان المجتمعي عبر الجمعيات الأهلية لدعم المطلقات وأطفالهن، وتشجيع مبادرات الوساطة والتسوية العائلية قبل الوصول إلى المحاكم.

جرس إنذار

اختتمت اليوسفي حديثها بالتحذير إن “ارتفاع معدلات الطلاق هو جرس إنذار يهدد النسيج الاجتماعي الأساسي ومطالب بمعالجة الجذور وليس الأعراض عبر توفير دعم اقتصادي ونفسي حقيقي وبرامج توعية وتأهيل ما قبل الزواج وبعده، وأنها ستستمر ‘البيوت الزجاجية’ في التحطم تاركةً جيلاً من الأطفال المشوهين عاطفياً ومجتمعاً يغرق في التفكك ما لم يكن هناك حل يبدأ من نواة المجتمع.

Leave a Comment
آخر الأخبار