الحرية- فادية مجد:
تمنح القصائد المغنّاة الشعر العربي قدرة استثنائية على العبور من فضاء القراءة الهادئة إلى فضاء السماع الحيّ، حيث تتداخل الكلمة مع اللحن لتشكل تجربة فنية تتجاوز حدود النص المكتوب .

وفي سياق هذا الاهتمام بالقصائد التي وجدت طريقها إلى الغناء، أفادت الأستاذة في قسم اللغة العربية د.فادية سليمان والمهتمة بالموسيقا وعازفة العود لـ”الحرية” بأن هذا الفن قد أسهم في إعادة الشعر إلى دائرة الاهتمام العام، لأنه يقدّم المعنى في صورة سمعية نابضة تجعل المتلقي أقرب إلى التجربة الشعورية التي أرادها الشاعر.
وفي عرض أنموذج عن قصيدة مغنّاة، أشارت سليمان إلى قصيدة “أراك عصيّ الدمع” لأبي فراس الحمداني، تلك القصيدة التي تنتمي إلى ما يعرف بالروميات، وهي مجموعة الأشعار التي كتبها خلال أسره لدى الروم، حيث يفتتح أبو فراس الحمداني قصيدته بقوله:
أراكَ عصيَّ الدمعِ شيمتُكَ الصبرُ
أما للهوى نهيٌ عليكَ ولا أمرُ
ثم يكشف عمّا يعتمل في داخله من شوق ولوعة قائلاً:
بلى، أنا مشتاقٌ وعندي لوعةٌ
ولكنَّ مثلي لا يُذاعُ له سرُّ
وأضافت: ورغم أن ظاهر النص غزلي، إلا أن خلفيته النفسية والسياسية تكشف عن شاعر جريح يعتز بكرامته، ويحنّ إلى قومه، ويعاتب محبوبته كما يعاتب القدر، مشيرة إلى أن القصيدة تمتاز بلغتها الجزلة وصورها العميقة، وبقدرتها على التعبير عن مزيج من الكبرياء والضعف الإنساني في آن واحد.
ولفتت د. سليمان إلى أن اختيار أم كلثوم لهذه القصيدة في مرحلة نضجها الفني لم يكن مصادفة، بل جاء انسجامٱ مع ميلها إلى تقديم النصوص الفصيحة ذات البعد الوجداني العميق، وقد قدّم رياض السنباطي لحناً يليق بعمق النص، فمزج بين المقامات الشرقية التقليدية والتصعيد الدرامي الذي يرافق انفعالات الشاعر.
وأوضحت أن أداء أم كلثوم اتخذ طابع التمثيل الغنائي، إذ حوّلت كل بيت إلى مشهد، وكل كلمة إلى نبضة، ما جعل الجمهور يعيش التجربة وكأنها حكاية شخصية تتكشف أمامه، وقد بُني لحن السنباطي على جمل موسيقية طويلة تبرز قوة النص، وتتيح لأم كلثوم مساحة واسعة للتلوين الصوتي .
وأشارت د. سليمان إلى أن الأغنية أعادت الاعتبار للشعر العربي الكلاسيكي في زمن كانت فيه الأغنية الحديثة تميل نحو البساطة، كما ساهمت في تعريف الجمهور بشخصية أبي فراس الحمداني، الفارس الشاعر الذي جمع بين السيف والقلم، وأصبحت قصيدة “أراك عصيّ الدمع” تدرس اليوم بوصفها نموذجاً على التقاء الشعر الفصيح بالموسيقا العربية، وعلى قدرة الفن على تجاوز الزمن، وليتحول إلى عمل خالد لا يشيخ مهما مرت السنوات.