الأسواق السورية على صفيح ساخن.. والمشكلة أكبر من دعم المستهلك فقط

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية ـ نهلة أبو تك:

لم يعد ارتفاع الأسعار في الأسواق السورية حدثاً طارئاً، بل أصبح واقعاً يومياً يعيد رسم أولويات الأسر. مع كل موجة غلاء، تتقلص سلة الاستهلاك، ويتراجع الإنفاق على ما كان يُعد ضرورياً بالأمس، فيما يبقى الدخل ثابتاً أو شبه ثابت أمام تضخم متسارع.

المشكلة لم تعد في سعر سلعة محددة، بل في اختلال أوسع بين الدخل وكلفة المعيشة، وبين ضعف الإنتاج المحلي واتساع فجوة الطلب.

تضخم مدفوع بضعف الإنتاج

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور سلمان صبيحة أن السبب الأبرز لارتفاع الأسعار يكمن في التضخم الناتج عن تراجع الإنتاج وإغلاق عدد من المنشآت الصناعية، ما أدى إلى نقص المعروض وزيادة الاعتماد على الاستيراد.

ويشير إلى أن زيادة الطلب في ظل محدودية العرض ترفع الأسعار حكماً، خاصة مع ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة ومدخلات الإنتاج، إضافة إلى اضطرابات سلاسل التوريد. كما أن زيادة الكتلة النقدية دون توسع موازٍ في الإنتاج تؤدي إلى تراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار.

التضخم هنا ليس رقماً اقتصادياً مجرداً، بل نتيجة خلل هيكلي في القاعدة الإنتاجية.

استقرار سعر الصرف… خطوة لا تكفي

استقرار سعر الصرف ضروري لتخفيف التضخم المستورد وتحفيز الاستثمار، لكنه لا يكفي لضبط السوق. فتكاليف التشغيل المرتفعة، من طاقة ونقل وتمويل، تظل عاملاً ضاغطاً على الأسعار.

ويؤكد صبيحة أن ضبط السوق يتطلب إصلاحات هيكلية حقيقية تعزيز الإنتاج، تقليل الاعتماد على الاستيراد، تحسين بيئة الأعمال، وتفعيل أدوات الرقابة لمنع الممارسات الاحتكارية التي تفاقم الغلاء.

زيادة الرواتب بين الأثر المؤقت والتآكل السريع

في مواجهة الغلاء، تتجه الأنظار إلى زيادة الرواتب. غير أن أي زيادة لا تتجاوز معدل التضخم تتحول إلى تعويض جزئي لا يعيد القوة الشرائية الفعلية.

ويشير صبيحة إلى أن ضخ السيولة دون ضبط الأسعار والإنتاج قد يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة، ما يبدد أثر الزيادة سريعاً. لذلك فإن تحسين الدخل يجب أن يترافق مع سياسات نقدية ومالية متوازنة، تضمن استقرار الأسعار لا تسارعها.

دعم المستهلك أم دعم المنتج؟

هنا يكمن جوهر النقاش. دعم المستهلك عبر التحويلات النقدية أو تثبيت أسعار بعض السلع يخفف الضغط مؤقتاً، لكنه يزيد الطلب في سوق يعاني أصلاً من ضعف العرض.

لذلك يشدد صبيحة على ضرورة توجيه الدعم أيضاً نحو المنتج المحلي، من خلال

توفير مدخلات الإنتاج بأسعار مناسبة

تقديم قروض ميسرة للصناعات الصغيرة والمتوسطة

منح حوافز ضريبية

حماية السوق من الإغراق غير المتكافئ

تعزيز الإنتاج يعني زيادة المعروض، وزيادة المعروض تعني تخفيف الضغط السعري. إنها معادلة مباشرة، لكنها تتطلب رؤية طويلة الأمد لا إجراءات آنية فقط.

الإجراء الأكثر إلحاحاً

بحسب صبيحة، فإن كبح التضخم والسيطرة على تكاليف المعيشة يمثلان الأولوية القصوى. ويتطلب ذلك مراجعة سياسات الدعم، ضبط تكاليف الخدمات الأساسية، وتحسين البيئة الاستثمارية لخلق فرص عمل حقيقية تقلل الاعتماد على الدعم المباشر.

فالاقتصاد الذي ينتج ويوفر وظائف مستقرة يمنح المواطن دخلاً فعلياً، لا مسكنات مؤقتة.

فالاستقرار ليس رقماً

استقرار الأسواق لا يُقاس فقط بسعر الصرف أو بمؤشرات رسمية، بل بقدرة المواطن على شراء احتياجاته دون قلق يومي.

دعم المستهلك ضرورة اجتماعية، لكنه لن يكون كافياً إذا لم يُدعَم المنتج المحلي ويُعاد بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تغذية السوق.

المعادلة واضحة لا استقرار سعرياً دون إنتاج، ولا إنتاج دون سياسات متكاملة، ولا معنى لأي أرقام إيجابية إذا بقيت رفوف المتاجر بعيدة عن قدرة جيوب الناس.

Leave a Comment
آخر الأخبار