الأكثر إثارة للجدل.. هل يمكن المراهنة على دمشق واتخاذها ملاذاً؟

مدة القراءة 11 دقيقة/دقائق

بقلم: د. يسرى المصري:

عبر منظار واسع الرؤية يتجاوز خطوط الطول والعرض للحرب في الشرق الأوسط وانفجار المشهد الجيوسياسي، ترفع دمشق رأسها وتحلّق بجناحي العُقاب الذهبي، متطلعة إلى بناء فضاء جديد يستند إلى أعمدة القوة، الحرية، الكبرياء، والنظرة الثاقبة للدولة السورية بعد التحرير.

رغم فوضى الحرب وما بعدها يبدو المشهد واضحاً..كانت صفارات الإنذار تتناوب في تل أبيب وطهران، بالتزامن مع قصف قواعد أمريكية في الخليج، انسحاب تكتيكي للمستثمرين الخليجيين الخائفين من حريق إقليمي كاد يلتهم كل شيء.. في ذلك التوقيت حط الرئيس أحمد الشرع رحاله منطلقاً على الطريق السريع المؤدي إلى برلين ولندن. يحمل تحت ذراعيه ملف “إعادة الإعمار” أمام الأوروبيين.. متحدياً السؤال الأكثر إزعاجاً في غرف اجتماعات البنوك وصناديق التحوط هذه الأيام.. هل يمكن المراهنة على دمشق واتخاذها ملاذاً؟

كيف يمكن لعاقل أن يتخيل مفارقات الشرق الأوسط.. سوريا التي مزقتها الحرب لأكثر من عقد، قد تبدو اليوم على الخريطة منطقة آمنة نسبياً مقارنة بجيرانها. فبينما كانت تحترق الحدود بين إسرائيل وإيران، وتتطاير شظايا الصواريخ فوق الخليج، قبل عدة ساعات وتعلن شركات البناء الإماراتية والسعودية تعليق مشاريعها الإقليمية احتياطاً، خطت دمشق بثقة تعرض بضائعها لتعلن “لدينا مطار يعمل، وموانئ، وجيل من المهندسين الذين لم يعملوا قط.

الرئيس الشرع الذي يتصرف ببراعة وحكمة يعرف أن نقطة بيعه الرائجة هي الهدوء النسبي. في عالم مليء بالصراعات المفتوحة، ولعل التجارب كانت خير معلم والحكمة المستلهمة.. “اصنع من الليمونة الحامضة شراباً سائغاً يسر المتذوقين”، لذلك قد تكون الفوضى المدارة استثماراً جذاباً.

الفجوة الاستثمارية التنافسية شبه خالية، فأين السابقون ..من سيحصل على واجهة عقود إعادة الإعمار؟ الأوروبيون يدركون أن الصين لا تزال مشغولة بإنقاذ عقاراتها المحلية، وروسيا منشغلة بأوكرانيا، والخليج يغلق محافظه ويراجع حساباته..

لا يتطلب الأمر الكثير من دراسات الجدوى .. في الأسواق الطبيعية، تشتري متراً مربعاً من العقارات التجارية في وسط دمشق اليوم بمتوسط (300 -500 ) دولار (حسب المناطق). قبل الحرب، كان السعر يتراوح بين 2500 و4000 دولار. هذا يعني خصماً يتراوح بين (80% و85%) عن القيمة العادلة المقدرة بعد الاستقرار.

المستثمر الذي يدخل اليوم بشراء أصول حقيقية (أراضٍ، مبانٍ نصف مدمرة قابلة للتأهيل، تراخيص استيراد مواد بناء) يمكنه نظرياً تحقيق (عائد سنوي مركّب يزيد على 30%) مع تحقق سيناريو الاستقرار خلال 5 سنوات. وهذه أرقام لا تقدمها أي سوق ناشئة أخرى اليوم – تركيا تقدم 12%، الهند 10%، وفيتنام 8%.

حسبة ثانية وميزة لا يمكن تجاهلها تتمثل بالهيكل السكاني الشاب، ذلك وفقاً لإحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء السوري (تقديرات 2024 بعد النزوح): 60% من السكان تحت سن 30 عاماً. من بينهم أكثر من 2.5 مليون شاب حاصل على تعليم جامعي أو تقني (هندسة، طب، إدارة) عاشوا في تركيا، الأردن، أوروبا، ويمتلكون مهارات لغوية وتقنية. هؤلاء مستعدون للعودة إذا توفرت وظائف بأجور تعادل ثلث الأجر الأوروبي (500-800 دولار شهرياً)، وهو مبلغ تنافسي جداً مقارنة بالعمالة في بولندا أو البرتغال.

الأهم: متوسط الأجر في سوريا اليوم يتراوح بين 100 و150 دولاراً للعامل غير الماهر في المناطق الآمنة. أي أن كلفة تشغيل مصنع تجميع إلكترونيات أو ملابس في دمشق تصل إلى أقل من 5% من كلفته في ألمانيا. هذا النوع من فروقات التكلفة لم نشهده منذ صعود الصين في التسعينيات.

قبل الحرب، كانت سوريا تنتج حوالي 380 ألف برميل نفط يومياً. اليوم، لا يتجاوز الإنتاج 40 ألف برميل بسبب السيطرة المتنازع عليها على الحقول الشرقية. لكن مكمن الغاز في “الشاعر” ومنطقة “الدو” لا يزال قابلاً للتطوير. والأهم: موقع سوريا كمعبر لخط أنابيب غاز من قطر إلى تركيا وأوروبا (مشروع تم تجميده عام 2009) عاد إلى الواجهة بعد أن أظهرت الحرب في أوكرانيا حاجة أوروبا لمصادر غاز غير روسية.

حسابات بسيطة: خط أنابيب بطول 1500 كيلومتر من الشمال القطري إلى الحدود التركية-السورية، بعبور الأراضي السورية لمسافة 400 كيلومتر فقط، يمكنه نقل 30 مليار متر مكعب سنوياً – أي ما يعادل 15% من احتياجات أوروبا قبل الأزمة. التكلفة التقديرية: 12 مليار دولار. العوائد على 20 عاماً: أكثر من 80 مليار دولار.

لا يغيب عن المشهد مكاتب التأمين على المخاطر السياسية (مثل MIGA التابعة للبنك الدولي، وECGD البريطانية) التي تضع سوريا اليوم ضمن فئات الخطر –وهذا يعني أقساط تأمين تصل إلى 15% من قيمة الاستثمار سنوياً. لكن المقارنة مع دول أخرى في المنطقة تكشف المفاجأة:

– إيران نسبة المخاطر 7/7 -22% التكلفة 15-20%

– العراق نسبة المخاطر 6/7 – 12% التكلفة 18-22%

– لبنان نسبة المخاطر 6/7 – 10% التكلفة 10-12%

– تركيا نسبة المخاطر 3/7 -3% التكلفة 8-12%

ما تقوله الأرقام هنا أن صافي العائد بعد التأمين في سوريا (28% – 18% = 10%) لا يزال يتفوق على تركيا (12% – 3% = 9%) ويعادل العراق (20% – 12% = 8%) لكن مع إمكانية نمو أعلى بكثير إذا تحسّن التصنيف إلى 5/7 خلال 3 سنوات.

لنذهب بعيداً عن العاطفة وحب بلاد الشام وما أدراك ما الشام ..في غمرة عبر التاريخ نجد بعد حرب كوسوفو عام 1999، قدرت تكلفة إعادة الإعمار بـ 8 مليارات دولار. خلال 5 سنوات، ضخ الأوروبيون 4 مليارات فقط، لكن العوائد على الاستثمارات العقارية والبنية التحتية تجاوزت 200% لمن دخل مبكراً (2000-2002). روندا بعد الإبادة الجماعية (1994) تلقت مساعدات كبيرة، لكن القطاع الخاص الأوروبي تأخر حتى عام 2000. وعندما دخل، حققت شركات الاتصالات والبنوك عوائد سنوية تجاوزت 25% لعقد كامل.

ما بين الربح والمخاطرة تكسب السوق التي تخرج من صدمة شاملة وتكون خالية من الاحتكارات القديمة والبيروقراطية منهكة، والفساد خامد، والأسعار لا تعكس القيمة الحقيقية. وفي علم الاقتصاد هي “لحظة الجشع العقلاني”.

دوائر الاستعلامات الاقتصادية الأوروبية تقدر أن “نافذة الخصم” على الأصول السورية (أي الفترة التي تسبق عودة صناديق التحوط الكبرى وشركات الإنشاءات الفرنسية والألمانية) لن تتجاوز 18 شهراً من تاريخ أول زيارة رسمية ناجحة (وهي الآن). بحلول منتصف 2026، وذلك سيرفع سعر “خيار الشراء على سوريا” بنسبة لا تقل عن 150% .

والرسالة التي تبثها دمشق بتؤدة .. أيها المستثمر الذكي، الخيار لك.. إما أن تنضم إلى مجتمع الخائفين الذين ينتظرون “اليقين التام” .. وهو شيء (لا يقدمه حتى سوق السندات الأمريكية) أو تشتري اليوم، بسعر اليوم، وتتحوط بمزيج من التأمين الحكومي (بعض الوكالات الأوروبية تدرس تغطية جزئية للمشاريع الخضراء)، وبدء مشاريع صغيرة قابلة للتصعيد (مزارع طاقة شمسية، مصانع تعبئة، لوجستيات الموانئ).

ومن حسن الظن.. عندما تنتهي العاصفة الإقليمية الحالية (وهي حتمية النهاية، ولو بعد حين)، سينظر الجميع حولهم ليروا من وضع أعلامه أولاً.

الأرض لا تزال رخيصة وفي سوريا والعمال ينتظرون، والأسواق الأوروبية على بعد ساعة طيران. الرهان على الهدوء النسبي في زمن الحرب الشاملة ليس جنوناً. إنه أكثر منطقية مما تعترف به غرف الاجتماعات المكيفة.

لا جناح على المستثمرين عندما يترنح الاقتصاد العالمي تحت وطأة الديون والصراعات أن يأخذوا حذرهم. لكن سوريا قد تكون بالضبط ذلك الخطأ الكبير في التسعير الذي يصنع ثروات الجيل القادم. السؤال الصعب هل أنت جريء بما يكفي لتصدق الأرقام قبل أن تصدقها الأسواق؟

فهل يشدوا المستثمرون الرحال الى دمشق وسط الفوضى المدارة في الشرق الأوسط وفي هذا التوقيت.. الحجة البالغة أولاً الموقع الجغرافي فلا يزال البحر الأبيض المتوسط يطل على اللاذقية وطرطوس. ويلوح في الأفق خط أنابيب غاز أو طريق بري من الخليج إلى أوروبا عبر سوريا يصبح حلماً قديماً جديداً، خصوصاً مع إغلاق مضيق هرمز تحت التهديد، وتحول البحر الأحمر إلى ميدان للمسيّرات.

وماذا عن الجوع الهائل للبنى التحتية حيث تحتاج سوريا إلى 400 مليار دولار كما تقدر الأمم المتحدة. كل كيلومتر من الأسفلت، وكل محطة كهرباء، وكل صومعة حبوب هي فرصة لعقود طويلة الأجل. المستثمر الأوروبي يحب المشاريع البطيئة التي تدر عوائد على 30 عاماً وسوريا تقدم له هذه الوجبة دسمة.

وثالثاً عندما يكون الخطر هو عين الفرصة ..فمع عدم وجود منافسين في الوقت الحالي وعندما تنسحب شركات المقاولات الإقليمية إلى برجها العاجي.

وأخيراً يفلح الصادقون .. الاستثمار في سوريا والخيار ما بين الخوف من الدولار أو الخوف من ضياع الفرصة.. ومن المفيد برهة من التأمل.

لماذا نبقى متفائلين رغم كل شيء؟

ربما لأن الحروب تخلق فجوات، والفجوات تخلق أرباحاً استثنائية. المستثمرون الأوروبيون، الذين يئسوا من عوائد قريبة من الصفر في سنداتهم الحكومية، يبحثون عن (الألفا) (العائد الزائد عن المخاطرة) في كل مكان. سوريا اليوم تقدم الحسنى وزيادة ..عمالة رخيصة وماهرة نسبياً 5 ملايين لاجئ سوري في تركيا وأوروبا مستعدون للعودة إذا وجدوا عملاً.

ولحظة الخيار الصعبة في الوقت الصعب ..تأثير “البيت الأكثر أماناً في الحي المحترق” فعندما تشتعل النار في كل مكان، يصبح البيت المتواضع هو الملاذ الوحيد.

دمشق مركز مالي واستراتيجي هكذا تتطاول الأعناق في سوريا.. سوريا لن تصبح سنغافورة على المتوسط في 2027. لكنها قد تصبح “الحدود الجديدة” للاستثمار طويل الأجل. نصيحة خارج صناديق التحوط الكبيرة ” لتقتات على التقلبات اليومية للحرب الإسرائيلية-الإيرانية. أنت، أيها المستثمر الذكي، يمكنك أن تشتري خياراً على مستقبل سوريا – بسعر مخفض جداً اليوم “. في الاقتصاد، كما في السياسة، الهدوء ما قبل العاصفة هو أفضل وقت لشراء الأرض. والعاصفة الآن مشتعلة في كل مكان “إلا” هناك.

ولأول مرة منذ 2011 سوريا لم تعد مصدر الخطر. بل قد تكون جزءاً من الحل. وهذه وحدها كافية لتدفق أول قطرة استثمار أوروبي – والباقي يكتبه من يغامر أولاً.

Leave a Comment
آخر الأخبار