الحرية- باسمة إسماعيل:
تعد الأمثال الشعبية خلاصة تجارب الشعوب وحكمتهم المتوارثة عبر الأجيال، فهي مرآة تعكس الواقع الاجتماعي والثقافي، وتختزن في كلمات موجزة معاني عميقة ودلالات إنسانية واسعة.
وتمتاز هذه الأمثال بإيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وسهولة الحفظ، إلى جانب قدرتها على تصوير مواقف الحياة بأسلوب بلاغي يجمع بين الحكمة والسخرية والوعظ. لذلك ظلت حاضرة في المجالس والبيوت والحوارات اليومية، تستدعى لتقديم النصيحة، أو للتعبير عن الرضا والسخط، أو لتلخيص موقف طويل بكلمات قليلة.
ذاكرة نابضة وليست عبارات عابرة
وفي حديثه لـ”الحرية” أوضح الباحث في التراث ورئيس دائرة أوغاريت الأثرية الدكتور غسان القيم أن الأمثال الشعبية تمثل ذاكرة نابضة لأي شعب، وحافظة لتراثه ومعتقداته وطريقة حياته.
مشيراً إلى أن هذه الأمثال ليست مجرد عبارات عابرة، بل هي خلاصة تجارب إنسانية طويلة صاغها الزمن واحتفظ بها الوعي الجمعي، لتبقى دليلاً على حكمة الناس في فهم الحياة ومواجهة تقلباتها.
وأضاف القيم: من بين الأمثال التي لا تزال تتردد على ألسنة الناس قولهم على سبيل المثال لا الحصر في موضوع الرزق: “اركض ركض الوحوش غير رزقك ما بتحوش”، وهو مثل يحمل في طياته حكمة عميقة حول السعي في الحياة وحدود الجهد الإنساني، فالمثل لا يرفض العمل ولا يقلل من قيمة الاجتهاد، بل يذكر الإنسان بأن الرزق لا يُنال بالسرعة وحدها، وأن السعي ينبغي أن يقترن بالطمأنينة والرضا. وكأن الحكمة الشعبية هنا تربت على كتف الإنسان المتعب قائلة إن الجهد مطلوب، لكن الإفراط في اللهاث خلف الدنيا قد يرهق الروح دون أن يغير ما قُدّر.
وتابع: في سياق العلاقات الاجتماعية والعائلية، يبرز مثل آخر يقول: “عَشرة أصهرة عَ باب داري ولا كنّة تكشف أسراري”، وهو مثل يعكس وعياً شعبياً بحدود القرب والثقة داخل العائلة. فالأصهرة، مهما كثروا، يبقون على عتبة البيت بعلاقات واضحة ومحددة، بينما القرب الشديد داخل البيت قد يكشف أسراراً لا يراها الغرباء. لذلك يعبّر المثل عن حرص الذاكرة الشعبية على حفظ خصوصية البيوت، مؤكداً أن القرب لا يعني دائماً الأمان المطلق، وأن المسافة أحياناً تحمي العلاقات أكثر مما تضرها.
الزمن الميزان الحقيقي
أما في العلاقات الإنسانية الممتدة عبر الزمن، فيتردد المثل المعروف: “طول العِشرة بيعرفك مين الدهب ومين القِشرة”. وهو مثل يختصر تجربة إنسانية طويلة مفادها أن الأيام وحدها قادرة على كشف معادن الناس. فالبدايات قد تخدع بالمظاهر والكلمات الجميلة، لكن الزمن هو الميزان الحقيقي الذي يميز بين الأصيل والزائف، كما يميز الصائغ الذهب الحقيقي من القشرة اللامعة.
وبيّن القيم في جانب آخر من تجارب الحياة تقول الحكمة الشعبية: “يلي قلبه رقروق بضل طول عمره خروق”، وهو مثل لا يهاجم الطيبة بقدر ما يحذّر من السذاجة. فالرقة الإنسانية قيمة نبيلة، لكنها تحتاج إلى وعي يحميها من الاستغلال. ومن هنا تدعو الحكمة الشعبية الإنسان إلى أن يبقى طيب القلب، لكن دون أن يترك قلبه مفتوحاً بلا حدود أو تجربة.
وختم القيم قائلاً: ما ذكر من أمثال على سبيل المثال لا الحصر، لأن التوقف عند أمثال أخرى تتناول موضوعات متعددة مثل الشروق والحياة والمشاعر وغيرها من القيم الإنسانية، التي عبّرت عنها الحكمة الشعبية بأسلوب بسيط وعميق في آن واحد، يحتاج لمجلد لا لمقال.
مرآة صادقة
وهكذا تظل الأمثال الشعبية مرآة صادقة لتجارب الناس عبر الزمن، تختصر في كلمات قليلة ما عاشته الأجيال من أفراح وخيبات وحكمة متراكمة. فهي ليست مجرد عبارات تُقال في المجالس، بل سجل حي للذاكرة الشعبية وثقافة المجتمع.