الإغراق التجاري في سوريا… بين حماية السوق وإعادة توجيه الاقتصاد نحو الإنتاج

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة أبو تك:

تبدو الأسواق السورية اليوم في حالة وفرة واضحة من حيث تنوع السلع وتفاوت أسعارها، غير أن القراءة الاقتصادية لهذا المشهد لا تتوقف عند ظاهر العرض، بل تمتد إلى ما يحدث في قاعدة الإنتاج. فالتوسع في الاستيراد، حين لا يخضع لضوابط متوازنة، لا يؤثر فقط في حركة البيع والشراء، بل يطول بنية الاقتصاد الوطني وقدرته على الحفاظ على قطاع صناعي منتج ومستدام.

الإغراق التجاري، وفق التعريف الاقتصادي، لا يعني مجرد ارتفاع حجم المستوردات، بل دخول منتجات أجنبية إلى السوق المحلية بأسعار تقل عن تكلفتها الفعلية أو عن سعرها في بلد المنشأ، بهدف اكتساب حصة سوقية واسعة وإزاحة المنتج المحلي تدريجياً من المنافسة. وهنا تتحوّل المسألة من منافسة طبيعية إلى اختلال في شروط السوق.

مكسب استهلاكي قصير الأجل

الخبير الاقتصادي ميسر البغدادي يوضح في تصريحه لـ«الحرية» أن انخفاض الأسعار الناتج عن تدفق السلع المستوردة قد يُنظر إليه كمكسب مباشر للمستهلك، لكنه يحمل في المقابل أثراً تراكمياً على الصناعة الوطنية.

مضيفاً: حين يتعرض المنتج المحلي لضغط سعري غير متكافئ، تبدأ حصته السوقية بالتآكل تدريجياً، ومع الوقت يفقد قدرته على التوسع أو تحديث خطوط إنتاجه، وقد يصل إلى مرحلة الخروج من السوق.”

ويشير إلى أن المشكلة لا تكمن في مبدأ الاستيراد، بل في غياب منظومة متكاملة توازن بين حرية السوق وحماية الإنتاج الوطني. ففتح الأسواق دون أدوات وقائية موازية يؤدي إلى بيئة تنافسية غير عادلة، وخاصة إذا كانت السلع الداخلة مدعومة في بلدان منشئها أو مستفيدة من فروقات سعر الصرف.

أثر هيكلي على القاعدة الإنتاجية

تراجع الصناعة لا يعني فقط انخفاض حجم الإنتاج، كما يؤكد البغدادي، بل ينعكس على منظومة اقتصادية كاملة. فكل منشأة صناعية تتقلص طاقتها أو تتوقف، تؤثر في سلاسل التوريد المحلية، وفي فرص العمل، وفي حجم الإنفاق داخل السوق. ومع مرور الوقت، يتجه رأس المال المحلي نحو الأنشطة التجارية الأقل مخاطرة والأسرع دورة ربح، بدلاً من الاستثمار الصناعي طويل الأجل.

الصناعة بطبيعتها تتطلب رأسمال كبيراً واستقراراً تشريعياً ووضوحاً في السياسات. وفي ظل بيئة تتسم بتقلب القرارات أو بارتفاع تكاليف الإنتاج، يصبح الاستيراد خياراً أسهل وأقل مخاطرة، ما يعمّق التحول من اقتصاد إنتاجي إلى اقتصاد استهلاكي.

أدوات الحماية… ضرورة لا كفاية

الرسوم الوقائية وتفعيل قوانين مكافحة الإغراق تشكل أدوات تقليدية لضبط السوق عند ثبوت الممارسات غير العادلة.

غير أن هذه الإجراءات، وفق البغدادي، لا تكفي وحدها إذا لم تترافق مع معالجة متوازية لجانب العرض المحلي.

فالصناعة السورية تواجه أعباء متعددة تشمل ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وصعوبات التمويل، إضافة إلى الرسوم المفروضة على المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج. وفي ظل هذه المعطيات، فإن فرض رسوم على المستوردات دون تخفيف الأعباء عن المنتج المحلي قد يحدّ من الإغراق، لكنه لا يعزز القدرة التنافسية بصورة مستدامة.

من هنا تبرز أهمية تخفيض الرسوم على مستلزمات الإنتاج، ومنح إعفاءات مرحلية للقطاعات الصناعية القادرة على التوسع، إلى جانب تسهيل التمويل الإنتاجي، بما يخلق بيئة استثمارية جاذبة لرأس المال طويل الأجل.

سعر الصرف والميزان التجاري

يقاطع البغدادي ملف الإغراق أيضاً مع قضية سعر الصرف. فزيادة الاعتماد على الاستيراد ترفع الطلب على القطع الأجنبي، ما يضغط على العملة الوطنية ويؤثر في الاستقرار النقدي. وفي المقابل، فإن تراجع الإنتاج المحلي يقلل من فرص إحلال المستوردات أو زيادة الصادرات، ما يعمّق الفجوة في الميزان التجاري.

بذلك، لا يصبح الإغراق مجرد قضية تنافس بين منتجين، بل عاملاً يؤثر في ميزان المدفوعات وفي قدرة الاقتصاد على تحقيق توازن خارجي. وكلما ضعفت القاعدة الإنتاجية، زادت هشاشة الاقتصاد أمام التقلبات العالمية وأسعار الصرف.

إعادة هيكلة السياسة التجارية

المعالجة الفعالة لهذه الظاهرة، حسب البغدادي، لا تقوم على إجراءات جزئية، بل على إعادة صياغة السياسة التجارية ضمن رؤية تنموية شاملة. فالتوازن المطلوب يقوم على مجموعة عناصر مترابطة:

تفعيل أدوات مكافحة الإغراق وفق معايير فنية واضحة.

فرض رسوم وقائية محددة زمنياً ومرتبطة بقطاعات محددة.

تخفيض الرسوم على المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج.

توفير حوافز ضريبية وتمويلية للصناعة.

ضمان استقرار السياسات والقرارات الاقتصادية.

هذا التوازن لا يعني الانغلاق أو إغلاق الحدود، بل إدارة الانفتاح بكفاءة، بحيث تتحقق وفرة السلع دون التضحية بالقاعدة الإنتاجية.

بين الاستهلاك والإنتاج

السوق التي تعتمد بصورة مفرطة على الاستيراد قد تبدو مستقرة على المدى القصير، لكنها تصبح، كما يؤكد البغدادي، أكثر عرضة للصدمات الخارجية على المدى البعيد. أما السوق التي تبني قاعدة إنتاجية متماسكة، فتملك قدرة أكبر على امتصاص الأزمات وتحقيق نمو مستدام.

السؤال اليوم لا يتعلق برفع الرسوم أو خفضها فحسب، بل بالاتجاه الذي يسلكه الاقتصاد:

هل يتجه نحو تعزيز الإنتاج المحلي كركيزة للاستقرار وفرص العمل، أم يستمر في الاعتماد المتزايد على الخارج لتلبية احتياجاته؟

الإجابة لا تتطلب إجراءات آنية فقط، بل رؤية اقتصادية متكاملة تعيد توجيه رأس المال نحو الصناعة، وتمنح المنتج المحلي فرصة عادلة للمنافسة ضمن سوق منظم ومتوازن.

Leave a Comment
آخر الأخبار