الإنترنت .. شريان شبه مقطوع في عصر الاتصال

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- أمين سليم الدريوسي:

في زمنٍ تحوّل فيه الإنترنت من وسيلة ترفيه إلى شريان حياةٍ للتعليم والعمل والطب والاقتصاد، لا تزال سوريا تعاني من واحدة من أضعف خدمات الإنترنت في العالم، وهذه ليست مجرد مشكلة تقنية عابرة، بل هي أزمةٌ مركبة تُعمق العزلة وتُعطّل التنمية وتُكبّل المستقبل.

لا يحتاج المواطن السوري إلى أرقام عالمية ليدرك عمق أزمة الإنترنت، فهي تُختزل في يوميات مريرة، سرعات تتدفق قطرة قطرة لا تكاد تبلغ أحياناً 128 كيلوبايت، تحوّل تحميل ملف بسيط إلى محنة تمتد ساعات، وانقطاع متواصل يخيم كالسحابة السوداء، لا يرحم أحداً، ويضرب في اللحظات الأشد حساسية، أثناء الامتحانات الإلكترونية، أو في ذروة الاجتماعات العملية عبر المنصات الرقمية، وما يزيد المأساة مرارة أن المواطن يُجبر على دفع فاتورة باهظة مقابل هذه الخدمة الهزيلة، فابني يتردد بين بقائه على «الواي فاي» المنزلي المتواضع في التعرفة السورية، أو التحول إلى خط «الفور جي» الذي قد يكلف مبالغ كبيرة، إذ تفوق باقات النت المدفوعة مقدماً طاقتنا المالية، فيُثقل كاهل ميزانية أسرة تعاني أصلاً من وطأة الظروف المعيشية القاسية.

وقد تتجاوز آثار هذه الأزمة مجرد الإزعاج التقني لتطول مجالات حيوية في حياة السوريين، ففي مجال التعليم، أدى ضعف الإنترنت إلى شبه فشل في تطبيق التعليم عن بُعد، وعجز الطلاب عن الوصول للمنصات التعليمية المحلية والعالمية أو حتى تحميل المحتوى العلمي الأساسي.

وفي الجانب الاقتصادي، تُعيق هذه الأزمة العمل عن بُعد وتحد من قدرة الشركات على التسويق الرقمي محلياً ودولياً، كما تقيّد نمو الشركات الناشئة التي تعتمد بشكل أساسي على الفضاء الرقمي، ولا يقتصر الأثر على ذلك، ففي القطاع الصحي تُعرقل الخدمة الضعيفة إمكانية تقديم الاستشارات الطبية العاجلة عن بُعد، خاصة في المناطق النائية التي تعاني أصلاً من نقص الخدمات الصحية، والأخطر من ذلك كله، أن هذه العزلة الرقمية تحرم جيلاً كاملاً من الوصول الحر إلى المكتبات العالمية والدورات العلمية المتخصصة والمحتوى المعرفي الذي يُعد حقاً أساسياً في عصر المعرفة.

لكن المفارقة الأكثر إيلاماً تظهر عندما يبحث المواطن عن مخرج من هذه الأزمة، ففي مشهدٍ يعكس الفجوة الرقمية بأبشع صورها، يجد المواطن العادي نفسه أمام معادلةٍ قاسية: إما أن يرضى بخدمة الإنترنت الحكومية المتعثرة، وإما يدفع أضعاف المبلغ لينضم إلى نادي «المحظوظين» الذين يستطيعون تحمل تكلفة الاشتراك بخدمات «الفايبر» أو «الإنترنت الفضائي».

فبينما تمثل هذه الخدمات المتطورة شريان حياة حقيقياً في العصر الرقمي، تتحول إلى سلعة فاخرة بعيدة المنال، حيث تتجاوز تكلفتها الشهرية متوسط دخل أسرة سورية لشهور عدة، وهكذا يصبح الإنترنت الجيد حكراً على فئة قادرة مادياً، بينما تُحرم الغالبية العظمى من أبسط حقوق العصر.

إن الاتصال المستقر في العالم لم يعد ترفاً يُتاح لذوي القدرة المالية، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان في عصر المعرفة، وما نراه اليوم هو صورة قاتمة للتقدم التكنولوجي وقد تحول من أداة للتواصل والتنمية إلى وسيلة جديدة لتعميق الفجوة الطبقية، فبينما يملك الأغنياء مفاتيح المعرفة والعمل الرقمي، يُحكم على الغالبية بالعزلة المعلوماتية والتخلف التقني.

ومن هنا نحن لسنا مخوَّلين بالدخول بتفاصيل الحل ولكن الوقت قد حان لنتوقف عن تسويغ الفشل بحجج واهية، ونعترف بأن العزلة الرقمية التي يعيشها السوريون هي من صنع أيدٍ محلية، فالدول التي خرجت من حروب أشدّ استطاعت أن تبني خلال سنوات بنى تحتية رقمية متطورة، لأنها أدركت أن الإنترنت اليوم هو الطريق الوحيد للانخراط في حضارة العصر.

فإما أن نبدأ بخطة وطنية جادة لتحديث البنية التحتية الرقمية، وفتح المجال للاستثمار والمنافسة، ووضع معايير واضحة لجودة الخدمة، وإما نستسلم لعزلة اختيارية في عالمٍ لم يعد يعترف بالحدود، فالإنترنت لم يعد رفاهية ننتظرها، بل هو شريان الحياة في عصر الرقمنة، فمتى نستعيد هذا الحق من رفوف الإهمال؟

Leave a Comment
آخر الأخبار