الحرية- د. رحيم هادي الشمخي:
تجلس إلى الشيوخ فيقولون لك: لقد فاتنا القطار، كبرنا ولو كنا شباباً ما دخلنا الجامعة، فالجامعة لم تعلّمنا كيف نكسب، إنما علمتنا كيف نحقد على الذين يكسبون، ويقول الشباب: لقد تعلّمنا ولكن عندما خرجنا للحياة عجزنا أن نعيش مثل أي حرفي، إن الأفلام والمسلسلات التلفزيونية تضعنا كل يوم أمام هذا الاختيار الصعب، إذا أردت أن تحب فاختر جامعيةً وإذا أردت أن تتزوج فتزوج ابنة «سباك»، أو كما يقال للفتاة إذا أردتِ أن تعيشي فقيرة فتزوجي زميلك في الدراسة، وإذا أردتِ أن تعيشي بسعادة وفي فيلا جميلة وعندك سيارة مكيفة فاختاري ابن الحرفي الفلاني.
ويقول الشباب أيضاً: ليس شرفاً أن تكون متعلّماً وليس عاراً أن تكون جاهلاً، وإنما أنت تساوي ما في جيبك، ويقولون: ليس أمامنا سوى الهجرة، لا مانع من الهجرة لا هي عيب ولا هي هروب، وإنما هي مثل التنقل من مكان إلى مكان، من مدينة إلى مدينة، من دولة إلى دولة، من قارة إلى قارة، وغداً من كوكب إلى كوكب، فقد اتسع مجال الحياة وتضاربت أطراف الدنيا، ولا يهم أين أكون عربياً شريفاً أو إنساناً كريماً، ولكن يضايقني جداً أن يشعر الإنسان بالندم لأنه قد هاجر، أو يشعر بالعار لأنه اضطر إلى اختيار جنسية أخرى لوطنه الذي يحمله في قلبه وفي عقله وهو مضطر لحمل هذه الجنسية معه حتى الموت، وليس بإمكان أي أحد أن يغيّر حال الناس كما تتغيّر برامج التلفزيون، ونحن الذين ندفع برامج التلفزيون كي تزيد من نبض الناس وقلقهم، فتكون أقصر وأكثر وأسرع، وعندما تصبح كذلك فسوف يطالب الناس بتعدد القنوات، فإذا تعددت فسوف يتجهون أكثر إلى الاستعانة بالكاسيتات هرباً من البرامج التلفزيونية وشاعرنا الظريف قال:
يتمنى المرء في الصيف الشتا
فإذا جاء الشتا أنكره
فهو لا يصبر على حاله
قتل الإنسان ما أكفره
وطبيعي جداً أن يضيق الإنسان بالحال الواحد في الصيف أو في الشتاء، أو الربيع الدائم أو ما له طعم واحد ولون واحد ومذاق واحد وحرارة واحدة ووجه واحد، قيل قديماً:
وما سمي الإنسان إلا لنسيه
ولا القلب إلا لأنه يتقلّب.
الاختيار الصعب
Leave a Comment
Leave a Comment