الحرية– إلهام عثمان:
قبل أعوام، كان سؤال الشاب السوري المقبل على التخرج: “أين أقدم أوراقي؟”، أما اليوم، وبعد أكثر من عقد من التغيرات الاقتصادية الكبرى، فقد تحول السؤال إلى: “ماذا أستطيع أن أقدم؟”، هذا التحول في التفكير يعكس واقعاً جديداً وهو أن الوظيفة لم تعد هبة تمنح، بل فرصة تُصنع.
من هنا، نجد أن الأزمة الاقتصادية في سورية: أزمة ليست في نقص الأموال فقط، بل في نقص “المهارات القابلة للتسويق”، فما هي هذه المهارات؟ وكيف يمكن للشاب السوري أن يحوّلها إلى دخل ثابت؟
مهارات اليوم.. وظائف الغد
في حديث خاص لـ”الحرية”، يؤكد خبير التنمية البشرية وسوق العمل مهران عبدون أن النجاح لم يعد حكراً على حاملي الشهادات وحدهم، بل أصبح حليفاً لمن يمتلك مهارات قابلة للتسويق والإثبات، ويرسم عبدون للشباب السوري خريطة طريق واضحة، مستنداً إلى وقائع حقيقية من الواقع المحلي والإقليمي.
خبير تنمية يضع وصفة عملية للشباب السوري لتعزيز مهاراتهم وتأمين فرص عمل تنافسية
المهارات الرقمية.. واقع وليس رفاهية
يبدأ الخبير بالتحذير من “فخ التعلم فقط”، مستنداً إلى حقيقة اقتصادية مؤكدة: وحسب تقارير دولية، فإن الطلب على مطوري البرمجيات ومتخصصي التسويق الإلكتروني ارتفع بنسبة تزيد على 40% عالمياً خلال السنوات الثلاث الماضية، ويوضح عبدون أن الشاب الذي يتعلم لغة “بايثون” مثلاً لا يكفيه أن يحصل على شهادة، بل يحتاج إلى أن ينتج مشروعاً مصغراً، كأتمتة مهمة يومية (مثل جدولة منشورات على وسائل التواصل)، ليقدم للمستقبل دليلاً ملموساً على قدراته، وهذه حقيقة ثابتة في الشركات العالمية ومنصات العمل الحر والتي تطلب “منجزاً لا متعلماً”.
الحرف والمهن.. عصب إعادة الإعمار
أما فيما يتعلق بالحرف والمهن، فيلفت عبدون إلى أن الواقع المحلي لا يقبل الجدل، لافتاً إلى أنه مع انطلاق ورشات إعادة الإعمار في العديد من المحافظات السورية، ارتفع الطلب على التخصصات الفنية كالكهرباء والسباكة والتبريد بشكل حاد، ويستند الخبير إلى وقائع ميدانية، حيث بات أجر الحرفي الماهر في دمشق أو حلب يفوق أجر الموظف الحكومي ذي الخبرة بأضعاف، هذه المهارات، يضيف عبدون، توفر دخلاً يومياً مجزياً بالليرة السورية، وتتميز بالاستمرارية لأن قطاع البناء والصيانة لا يتوقف.
التجارة الإلكترونية
ولا يغفل عبدون عن التجارة الإلكترونية التي يصفها بـالنافذة الذهبية، لكنه ينبّه، إلى تحدٍ واقعي وهو شح وسائل الدفع الإلكتروني داخل سورية وضعف الاعتماد على البطاقات المصرفية الدولية، و يقدم حلاً عملياً مقتبساً من وقائع ناجحة لشباب سوري كالتوجه إلى أسواق خارجية (تركيا، الخليج، أوروبا) عبر وسطاء موثوقين، أو الاعتماد على العملات الرقمية المستقرة (USDT) كبديل للتحويلات، وهذه ليست نظرية، بل تجارب حقيقية أثبتت نجاحها حسب رأيه.
النقص الذي لا يقل أهمية
اللافت في رؤية الخبير أنه لا يكتفي بالمهارات التقليدية، بل يضيف إليها أبعاداً جوهرية تستند إلى واقع السوق اليوم:
أولاً: تسويق الذات رقمياً – وهنا يشير عبدون إلى حقيقة مؤلمة، وهي أن كثير من الشباب السوري يمتلكون مهارات ممتازة لكنهم يبقون في الظل، لذا ينصح، بإنشاء ملف شخصي على لينكد إن، ومعرض أعمال بسيط على منصات مجانية، وفيديوهات قصيرة توضح طبيعة عملهم، مشيراً إلى أن السوق الرقمي لا يبحث عن المتواضعين، بل عن الظاهرين.
ثانياً: الذكاء الاصطناعي ضرورة عاجلة
كما يؤكد عبدون، مستنداً إلى تقارير البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي، أن 65% من الوظائف الحالية ستتأثر بأدوات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الخمس المقبلة، لذلك، تعلم استخدام أدوات مثل شات جي بي تي ليس ترفاً، بل ضرورة لكل شاب يرغب في رفع إنتاجيته، ويضرب الخبير مثالاً واقعياً: شاب سوري تعلم استخدام هذه الأدوات ليعدّ تقارير اقتصادية مصغرة، واستطاع أن يعمل لحساب جهات خارجية دون أن يغادر منزله في دمشق.
ثالثاً: محو الأمية المالية
وهنا ينتقل عبدون إلى معضلة يومية في واقعنا الاقتصادي وهو أنه كثير من الشباب ينجح في كسب المال بالدولار أو الليرة، لكنه يفشل في إدارته، ويستند الخبير إلى وقائع حزينة لأشخاص خسروا مدخراتهم بسبب جهلهم بآليات تحويل العملات أو تقلبات السوق السوداء، وينصح بتعلم أساسيات الادخار، والاستثمار الصغير، والتعامل مع المنصات المالية البسيطة، مع تأكيد أن الوعي المالي هو ما يحوّل الدخل إلى ثروة.
رابعاً: العمل الجماعي الافتراضي
كما يضيف عبدون إن القدرة على العمل ضمن فريق عن بُعد باستخدام أدوات مثل زووم وتريلو، هذه المهارة، كما يوضح، أصبحت شرطاً أساسياً في أي وظيفة رقمية، محلية كانت أم دولية.
[13/04/2026 12:51 م] باسم محمد: اصنع مستقبلك
ويدعو عبدون الشباب السوري إلى قلب المعادلة الاقتصادية، فبدلاً من أن يبحث الشاب عن وظيفة، لابد أن يصنع منتجه المصغر، وهنا يستند الخبير إلى وقائع حقيقية لشباب سوريين بدؤوا من الصفر، كشاب في ريف دمشق تعلم صيانة الأجهزة الكهربائية، وبدأ بتصليح أعطال بسيطة لجيرانه مجاناً مقابل شهادة خبرة مصورة، واليوم لديه ورشة صغيرة تشغّل ثلاثة عمال.
إعادة صياغة واقع
ويختم عبدون: إنه مع أعادة صياغة واقع نعيشه يومياً، نجد أنه في ظل غياب الوظيفة الحكومية الآمنة، وفي ظل تقلبات القطاع الخاص، لم يعد أمام الشاب السوري إلا أن يصبح هو نفسه “مشروعاً صغيراً” قابلًا للتطوير والتصدير، لاسيما أن قيمة هذا المشروع لا تُقاس براتب شهري، بل بمجموعة من المهارات الصلبة (البرمجة، الحرفة، التسويق) والناعمة (التفاوض، إدارة الذات، تسويق الذات، الوعي المالي)، وكما أثبتت الوقائع، فإن الشاب الذي يتقن حرفة أو خدمة رقمية، ويجيد عرضها، ويدير أمواله بوعي، يستطيع أن يخلق لنفسه دخلاً ثابتاً حتى في أصعب الظروف الاقتصادية.
فالغد الاقتصادي لسورية لا يُبنى بقرارات وزارية فقط، بل بكل سطر برمجة يكتبه شاب في منزله، وكل صفقة يتفاوض عليها حرفي في ورشته، وكل فكرة تسويقية تنطلق من هاتف ذكي في حي شعبي ليصنع من التحدي فرصة.