الحرية – سناء عبدالرحمن:
الاستثمار في مرحلة ما بعد الأزمة لا يقتصر على إعادة إعمار البنى التحتية أو ضخ الأموال، بل يتجاوز ذلك ليشمل إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين والمستثمرين، سواء المحليين أو الأجانب.
وفي هذا السياق، عرّف المدرس في جامعة اللاذقية والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا الدكتور وجد الصائغ، الثقة الاقتصادية بأنها إيمان الأفراد والشركات بأن النظام الاقتصادي عادل، ومستقر حالياً، ويتصرف بشكل يمكن التنبؤ به مستقبلاً، دون خوف من صدمات مفاجئة أو قرارات تعسفية.
الثقة عنصر أساسي بأي اقتصاد
أشار الصائغ لـ”الحرية” إلى أن الثقة ليست ترفاً اقتصادياً، فالعديد من الدراسات الأكاديمية تؤكد أن الثقة بأنواعها المختلفة، سواء ثقة أفراد المجتمع بعضهم ببعض، أوالثقة بالمؤسسات، أو الثقة الاقتصادية، تلعب دوراً مهماً في النمو الاقتصادي والنظام المصرفي وأسواق الأسهم أو البورصات.
وبيّن أنه في اقتصاد ضعيف الثقة يتحول المال إلى عملات أجنبية أو يُكتنز، وتقصر مدة العقود، ويتحول الاستثمار من إنتاجي إلى مضارب.

وأضاف الصائغ إنه في اقتصاد قائم على الثقة يقل عدم اليقين، وتُقلَّل الحاجة إلى المعاملات القانونية المعقدة والمكلفة، وتُسهَّل التبادلات الاقتصادية.
مفاتيح بناء الثقة
وأوضح الخبير الاقتصادي أن الثقة الاقتصادية ليست نتيجة عفوية أو قراراً، بل هي بناء تراكمي منظم، ولا تُبنى من طرف واحد، بل هي نتاج عقد اجتماعي– اقتصادي– مؤسساتي، تشارك في صياغته كل الأطراف، بدءاً من الدولة التي تُعد صانعة الإطار العام للثقة، والمصارف، والقطاع الخاص، وأخيراً المواطن، من خلال الالتزام بالقوانين، والمشاركة الواعية، ومحاربة الشائعات، ودفع الضرائب، والتحقق من المعلومات، ودعم المؤسسات الحكومية، والثقة بالقضاء، وأهم شيء هو الثقة بالمجتمع السوري، وأي خلل في حلقة واحدة يُضعف المنظومة كلها.
خطوات بناء الثقة
وأشار الصائغ إلى أن بناء الثقة يتطلب معالجة الإرث القانوني والمؤسساتي والنقدي للاقتصاد السوري السابق، والذي تحول خلال سنوات الحرب إلى اقتصاد الجباية وربما اقتصاد المحسوبية، مبيناً أن الشفافية والمصداقية ليستا عاملين مساعدين للثقة الاقتصادية، بل هما جوهر الثقة الاقتصادية.
كما أوضح أنه يمكن تحقيق ذلك من خلال إصدار ونشر جميع البيانات الاقتصادية الأساسية، مثل ميزانية الدولة، واحتياطي العملة، ومعدل التضخم، بشكل دوري وموثوق، كما تفعل العديد من الدول عبر “بوابة البيانات المفتوحة”، والمصداقية مع الناس ليست لكسب المشاعر، بل هي أساس متين لبناء عقد اجتماعي واقتصادي متين.
استقلالية المؤسسات والحكم الرشيد
ولفت الصائغ إلى ضرورة تأمين استقلالية المؤسسات، خاصة القضاء والمصرف المركزي، إضافة إلى استقرار السياسات النقدية والمالية من خلال تجنب القرارات الاقتصادية الفجائية والعشوائية.
مشيراً إلى أن أي تغيير في القواعد والقوانين يبعث إشارات سلبية للمواطن والمستثمر مفادها أن القواعد هنا قابلة للتغيير في أي وقت لمصلحة البعض، ما يدمر أي إحساس بالأمان والثقة.
مضيفاً إنه لا بد من تعميق الشراكة مع المستثمرين المحليين والسوريين في المغترب، والمشاركة معهم في عملية صنع القرار، والاستفادة من قدراتهم ورؤوس أموالهم.
وختم الصائغ بالقول: الشفافية الكاملة والصدق مع الناس حول حجم التحدي والتضحيات المطلوبة يشكلان الحجر الأساسي لأي اقتصاد قوي ومتين يلتف أبناؤه حوله، فالمواطن يندمج في النظام الاقتصادي الرسمي، ويدعم عملته المحلية، ويثق بمؤسسات الدولة، فيما يثق رجال الأعمال والمستثمرون بأن الحكومة ملتزمة بقواعد اقتصادية واضحة وثابتة، الأمر الذي يجذب الاستثمار ويُنتج فرص عمل للمواطنين أيضاً.