الاستنزاف غير المدروس يستهلك  88% من إجمالي الموارد المائية المتاحة في الزراعة السورية

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – إلهام عثمان:

في قطاع الزراعة, ورغم الهطولات المطرية والخيرات غير المسبوقة لهذا العام, يظل الماء هو الهاجس الأكبر للمزارع والمواطن على حد سواء, لاسيما أن مياه الآبار الجوفية تُضخ بشراهة غير مسبوقة دون تدبر أو مسؤولية من قبل بعض المزارعين أو غيرهم، ما يؤدي لاستنزاف الخزانات الجوفية بمعدلات مخيفة ربما, والتي تنذر بكارثة صامتة تحت الأقدام, في هذا المشهد المائي القاتم، تتصدر الزراعة  قائمة المستهلكين بنسبة  تصل إلى 88% من إجمالي الموارد المائية المتاحة، متجاوزة المعدل العالمي البالغ 70%.

لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه بقوة اليوم، ويبحث عن إجابة: هل يمكن لسوريا أن تحافظ على أمنها الغذائي من جهة، ومياهها الجوفية من جهة أخرى، أم إننا أمام خيار صعب بين جوع اليوم وعطش الغد؟

جناد: القطن والموز والأرز.. محاصيل «فائقة الشراهة» تهدد المخزون الجوفي

88%..  هل هي مبررة؟

في تصريح صحفي سابق لمدير عام الهيئة العامة للموارد المائية أحمد الكوان, أشار إلى أن الزراعة  تستهلك 88% من مياه سوريا, ومع مقارنة هذا الرقم بالمعدل العالمي الذي تبلغه منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» بنحو 70%، يتبين أن الفجوة تصل إلى 18 نقطة مئوية لصالح الزراعة السورية.

وفي توضيح علمي دقيق، أوضح مدير إدارة الموارد المائية في منظمة «أكساد» الدكتور إيهاب جناد أمام حقائق رقمية وفنية لا تحتمل التأويل, حيث أشار إلى أن القطاع الزراعي في سوريا يستحوذ على الحصة الأكبر من الموارد المائية المتاحة، وهي أكبر من الحصة التي يستهلكها القطاع نفسه على مستوى العالم وتبلغ 70 بالمئة.

كما بين لـ”الحرية”، أن هذه النسبة في بلد يعاني أصلاً من شح مائي وتغيرات مناخية متسارعة، تضع علامات استفهام كبيرة حول جدوى استمرار هذا النمط الاستهلاكي دون إعادة هيكلة جذرية.

ترتيب الزراعات

ولمزيد من الدقة في تشخيص المشكلة، يرى د. جناد أنه يمكن ترتيب المحاصيل وفق استهلاكها للمياه إلى أربع فئات وهي:

• زراعات فائقة الشراهة: مثل قصب السكر، والموز، والأرز.

• زراعات عالية الشراهة: مثل القطن، والذرة الصفراء، والبرسيم الحجازي.

• زراعات متوسطة الشراهة: مثل الخضراوات والفواكه.

• زراعات قليلة الشراهة: مثل القمح والشعير.

إلا أن جناد يحذر من نظرة  تبسيطية، مشدداً على أن الاحتياج المائي للمحصول يتأثر بنوع التربة، فالتربة الرملية تحتاج مياهاً أكثر من التربة الطينية، وكذلك الظروف المناخية، فالرياح وارتفاع الحرارة تزيد الاحتياجات المائية، إضافة إلى نظام الري، فالري السطحي التقليدي يستهلك كميات أكبر مقارنة بالري بالرش أو التنقيط.

دراسات تناسب وضع سوريا المائي

وحول وجود دراسات خاصة بالوضع السوري، يلفت جناد إلى أن هناك العديد من الدراسات حول الوضع المائي في سوريا، من حيث كميات المياه السطحية والجوفية المتاحة، واستخداماتها في قطاعات الشرب والري والصناعة، ومن حيث العجز المائي القائم الذي يُغطى عادةً على حساب المياه الجوفية, يؤكد على أن المياه الجوفية باتت تتعرض للاستنزاف في ظل تغير المناخ، وتكرار موجات الجفاف خلال السنوات الأخيرة.

جناد: الطاقة الشمسية سلاح ذو حدين: حل للفلاح وكارثة للخزان الجوفي

بدائل اقتصادية تحافظ على المياه والفلاح معاً

وعن إمكانية إيجاد معادلات توازن بين الجدوى الاقتصادية للمزارع وحماية المياه،  يشدد جناد على أن هناك الكثير من الإجراءات التي يمكن اتخاذها في القطاع الزراعي المروي، ولاسيما على مستوى الحقل، لرفع كفاءة استخدام مياه الري، والحد من الهدر المائي، مع زيادة الإنتاج والإنتاجية الزراعية.

ومن هذه الإجراءات، استخدام الزراعة الحافظة، وتنفيذ تقانات حصاد مياه الأمطار على مستوى الحقل، وتأسيس جمعيات لمستخدمي مياه الري، وتعزيز الوعي المائي، ودعم قطاع الإرشاد المائي والزراعي.

الممارسات الخاطئة

من أهم الممارسات الزراعية الخاطئة التي يتبعها الفلاحون، التي تؤدي لاستنزاف المياه الجوفية, ووفق رأي جناد, التوسع في استخدام الطاقة الشمسية لأغراض الري, مبيناً أن الانخفاض النسبي لتكاليف هذا النوع من الطاقات المتجددة المستدامة شجع على استخراج المياه الجوفية في مناطق كثيرة بمعدلاتٍ تجاوزت معدلات تغذيتها السنوية، ما أدى إلى استنزافها, محذراً من أن الحالة ستكون كارثية إذا ما تواصل الاستخراج بالمعدلات نفسها.

وفي ظل تراجع المعدلات السنوية للهطولات المطرية بسبب تغير المناخ, إضافة لذلك ضعف إدارة الموارد المائية عموماً، والجوفية خصوصاً, ويمكن عملياً اللجوء إلى جملةٍ من الإجراءات، التي يمكن أن تساعد في الحد من مخاطر استنزاف المياه الجوفية، وذلك من خلال الآتي:

–  دعم استخدام طرائق الري ذات الكفاءة العالية، وعلى الأخص الري بالتنقيط، لزيادة الإنتاجية الزراعية.

–  وتحسين الإنتاجية المائية, ونشر استخدام تقانات حصاد مياه الأمطار لأغراض الزراعة، التي تساعد في توفير كمياتٍ معقولة من المياه السطحية بحيث تقل نسبة الاعتماد على المياه الجوفية.

–  أيضاً نشر استخدام تقانات حصاد مياه الأمطار لأغراض تغذية المياه الجوفية في المناطق التي تسمح بذلك.

جناد: المياه الجوفية باتت تتعرض للاستنزاف في ظل تغير المناخ خلال السنوات الأخيرة

حلول

ومن الناحية العملية، يقترح جناد، دعم استخدام الري بالتنقيط لزيادة الإنتاجية الزراعية وتحسين الإنتاجية المائية, ونشر تقانات حصاد مياه الأمطار لأغراض الزراعة, أيضاً نشر تقانات حصاد المياه لتغذية الخزانات الجوفية في المناطق المناسبة.

وهنا نستنتج أن مياه سوريا ليست رقماً في جدول، ولا نسبة مئوية في تقرير, مياه سوريا هي نبض الغد الذي يخفق تحت أقدام أطفالنا. وبين إصرار الفلاح على زراعة أرضه، وحاجة الوطن إلى أمنه المائي، يبقى الحل الوحيد هو العلم، والتخطيط، والإرادة. فإما أن نتعلم كيف نزرع بمسؤولية، أو سنحصد يوماً.. العطش

Leave a Comment
آخر الأخبار