الاعتماد على الكفاءات الإدارية الخبيرة والتخطيط الاستراتيجي أساس بناء اقتصاد قوي 

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- آلاء هشام عقدة: 

يتطلب بناء الدولة قيادة اقتصادية استثنائية قادرة على تحويل الأنقاض إلى مصانع، واليأس إلى فرص، دولة قادرة على المنافسة والازدهار إذ إن تحقيق المعجزة الإقتصادية ليس ترفاً بل هو حتمية لاستمرار النصر السياسي، وتتطلب هذه المعجزة قيادة اقتصادية لديها رصيد كبير من التجربة للنهوض في البلاد.

الخبير الاقتصادي المتخصص في التخطيط الاستراتيجي مهند الزنبركجي يرى أن هناك قاعدة ذهبية تقول “التحرير يفتح الباب… لكن الدولة الرشيدة وحدها تعرف كيف تدخل”.

الاقتصاد أساس النهوض بالبلاد

وأضاف الزنبركجي في تصريح لـ”الحرية” لطالما تنبهت العديد من الدول بعد التحرير إلى هذه النقطة و أدركت أن الاقتصاد يقود السياسة للنهوض بالبلاد، وأيقنت أنه الحصان الذي يقود العربة و ليس العكس، و بالتالي اعتمدت خططاً اقتصادية مبنية على قواعد مشتركة فيما بينها، مدروسة بدقة و موضوعة من قبل اقتصاديين محترفين في مجال التخطيط الاستراتيجي و إدارة الأزمات.

من ضمن هذه الدول: ألمانيا، رواندا، كوريا الجنوبية واليابان، حيث اعتمدت هذه الدول في خططها على ترتيب الأولويات، شراكة مع القطاع الخاص و التركيز على اقتصاد إنتاجي، كل ذلك من خلال عناصر قوة واحدة مشتركة بين هذه الدول، و هي أنها تحت قيادة منضبطة، محاربة صارمة للفساد و مقترنة مع إصلاح إداري شامل بعيداً عن المحسوبيات و الولاءات، و رؤية واضحة ببناء الإنسان قبل كل شيء.

وأوضح الزنبركجي أنه على الطرف النقيض، نجد دولاً خرجت من مرحلة ما بعد التحرير بالاعتماد على السياسيين لتسيير الاقتصاد من خلال الشعارات واحتكار القرار الاقتصادي بيد الموالين لهم من عديمي الكفاءات، لا يربطهم بهم سوى الولاءات.

هذه الدول وقعت في براثن الفساد، القيام بمشاريع عشوائية لا تقوم على رؤية ولا تستند الى دراسة عن حاجة البلاد من هذه المشاريع في كل قطاع، و اعتمدت على المستثمرين في السيطرة على المشاريع السيادية من خلال وسطاء فاسدين، و بعضهم شركاء من الباطن للمستثمرين.

في النهاية، انتهى بها الحال الى دول مقسمة، مجزأة ذات اقتصاد منهار و يقوم كبار السياسيين فيها بإلقاء اللوم على المؤامرات.

خطط أساسية لبناء اقتصاد قوي

ويضيف الدكتور الزنبركجي: هناك خطط واستراتيجيات لكل دولة خرجت تواً ” من مرحلة التحرير وترنو لبناء اقتصاد قوي

أولاً- الاعتماد على اقتصاديين محترفين، منهم من يحملون خبرة أكايمية عالية في الاقتصاد،  ومنهم من يحملون خبرة “عملية” عالية في التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات.

بناء على هذه الخطوة، يقوم الخبراء بوضع خطط تنموية مبنية على رؤية اقتصاية واضحة، حيث يتم طرح خارطة المشاريع بناء على حاجة الدولة في كل قطاع، منها المعروضة للاستثمار و المشاريع المعروضة للشراكة، و المشاريع الاستراتيجية الهامة التي سيتم إبقاؤها تحت سلطة الدولة و لكن ليست كشركات قطاع عام.

ثانياً- وضع آلية جديدة لبناء القرار بعيداً عن البيروقراطية، وضع نظام قضائي جديد بالكامل يتضمن نظام حوكمة اقتصادية حديث تديره محاكم اقتصادية مستقلة في قرارها.

هذا الإجراء تم اتخاذه في الدول التي نجحت اقتصادياً بعد التحرير، و تم قبل ضخ المال في مفاصل الاقتصاد، و ليس بعده لأنه سيتسبب في فوضى و ضعف اقتصادي أعمق بكثير.

ثالثاً- الاعتماد على الكفاءات الإدارية في إدارة المصانع، وهذا لا ينطبق على القطاع العام فقط، بل على القطاع الخاص ايضاً، لأن معظم الدول التي خرجت من التحرير وبنت اقتصاداً قوياً و معافىً، أعتمدت ضمن استراتيجيتها في إعادة هيكلة الكوادر الإدارية على نظام مؤسساتي عالمي يستقطب الإداريين الأكفاء ضمن منظومة رواتب عالية تتناسب مع الخبرات.

كذلك، الشركات الخاصة التي اعتمدت ذات النهج و أبتعدت عن العقلية الفردية العائلية التي تترأس مصدر القرار في هذه الشركات، وتمت الاستعانة برؤساء مجالس إدارة يتم تفويضهم بالإدارة و اتخاذ القرار ، في حين يكتفي الملاك بالمراقبة و المحاسبة بناء على النتائج.

لم يتم اعتماد هذا النظام نهائياً في الدول الأخرى التي فشلت في بناء نظام اقتصاي قوي بعد التحرير.

رابعاً- من أخطر النقاط التي فشلت فيها بعض الدول من الخروج من التحرير إلى البناء، هي الاعتماد على القطاع الخاص و المستثمرين “كمستفيدين” و ليس “كشركاء”، حيث تم ذلك من خلال سلسلة طويلة من صفقات فساد، للعديد من الشركات الهامة و القطاعات الحيوية تم استثمارها بأبخس الاثمان، واستفاد منها – فعلياً- المستثمرون فقط ومن سهلوا لهم الصفقات، بينما اعتمدت الدول الناجحة اقتصادياً بعد التحرير على عدة أنماط اقتصادية، كانت الشراكة مع القطاع الخاص أحد هذه الأنماط.

خامساً- تحويل المؤسسات إلى مراكز ذات دور خدمي، بدلاً من توليها صياغة السياسات، وهذا ما نجحت في تفاديه الدول الناجحة اقتصاديا بعد التحرير.

لا شك بأن التحرير هو نصر عظيم، و لكن لا يكتمل هذا النصر إلا بنهضة اقتصادية كبيرة و شاملة، ترقى الى مستوى “معجزة اقتصادية” وهذا لم يتحقق عبر التاريخ، إلا على يد خبراء اقتصاديين يملكون الخبرة العملية الرفيعة قبل الأكاديمية في إدارة الاقتصاد خلال الأزمات.

Leave a Comment
آخر الأخبار