في مركز القرار الاقتصادي.. سوريا تتحول إلى “ممر إجباري” للتجارة والطاقة في الإقليم

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- هناء غانم:

تعد سوريا، وفق قراءة جيوسياسية معمقة، واحدة من أهم العقد الاستراتيجية في الشرق الأوسط، إذ يشكّل موقعها الجغرافي نقطة ارتكاز طبيعية تربط بين آسيا وأوروبا والبحر المتوسط، ما منحها عبر التاريخ دوراً محورياً في تشكيل مسارات التجارة الدولية وحركة العبور الإقليمي. ومع التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم، تعود سوريا تدريجياً إلى واجهة المشهد بوصفها مساحة جيو-اقتصادية قادرة على التأثير في إعادة صياغة خرائط التجارة والطاقة والتنمية في المنطقة.
وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي في حديثه لـ”الحرية”، أن القيمة الحقيقية لسوريا لا تنبع فقط من موقعها الجغرافي، بل من قدرتها الكامنة على التحول إلى “عقدة ربط استراتيجية” في منظومة الاقتصاد الإقليمي، بما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعافي الاقتصادي القائم على التكامل لا الانعزال، وعلى الربط لا التقاطع.

من جغرافيا العبور إلى هندسة التجارة الإقليمية

 يشير الدكتور قوشجي إلى أن التحولات الأخيرة في الإقليم تعكس تنامياً واضحاً في إدراك أهمية البنية التحتية السورية بوصفها بوابة عبور طبيعية للتجارة والطاقة. فالاتجاه نحو تفعيل استخدام الموانئ السورية، كما في الطلب الأردني للاستفادة من ميناء اللاذقية مقابل تقديم خدمات ميناء العقبة، يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية الساحل السوري في إعادة رسم خرائط التبادل التجاري الإقليمي.
وفي السياق ذاته، يعزز استمرار تدفق النفط العراقي عبر الأراضي السورية باتجاه ميناء بانياس من موقع سوريا كمنفذ بحري استراتيجي للطاقة، بما يرسّخ دورها في معادلة أمن الطاقة الإقليمي.

تنشيط المعابر

كما أن إعادة تنشيط المعابر البرية بين سوريا وتركيا أسهم في إعادة وصل شرايين التجارة بين أوروبا والخليج عبر الممر السوري، في حين يشكل مشروع إعادة إحياء خط الحجاز الحديدي تحولاً نوعياً في بنية النقل الإقليمي، بما قد يفضي إلى شبكة سككية تربط سوريا بالأردن والسعودية ضمن منظومة لوجستية متكاملة.

سوريا في معادلة أمن الطاقة والمياه

يرى د. قوشجي أن سوريا تبرز كعنصر توازن مهم في معادلة أمن الطاقة الإقليمي، خصوصاً في ظل التعاون المتزايد مع العراق في مجال نقل النفط، وهو ما يشير إلى إمكانات واسعة لإعادة دمج سوريا في شبكة الطاقة الإقليمية.
وفي موازاة ذلك، تعكس المبادرات المتعلقة بدعم مشاريع تحلية المياه على الساحل السوري، ولا سيما تلك المطروحة من الجانب السعودي، إدراكاً متنامياً لأهمية البنية الجغرافية السورية في معالجة التحديات المائية في المنطقة، وفتح الباب أمام استثمارات استراتيجية طويلة الأمد في قطاع المياه.
كما أن استقرار سوريا يعد شرطاً أساسياً لضمان استمرارية مشاريع الربط الكهربائي والغازي الإقليمي، بما يعزز من كفاءة منظومة الطاقة المشتركة بين دول المنطقة ويخفض من تكاليف الإنتاج والنقل.

الجغرافيا السورية كرافعة للتعافي الاقتصادي

يؤكد الدكتور قوشجي أن الاقتصاد السوري، رغم ما تعرض له من ضغوطات، لا يزال يمتلك قاعدة إنتاجية كامنة يمكن أن تتحول إلى رافعة حقيقية للتعافي إذا ما تم تفعيلها ضمن رؤية تنموية متكاملة.
فالقطاع الزراعي يشكل أحد أهم ركائز الأمن الغذائي في الإقليم، فيما يمتلك القطاع الصناعي، ولا سيما في حلب، قدرة تاريخية على استعادة دوره كمحرك رئيسي للنشاط الاقتصادي والإنتاجي.
كما أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها ميزة تنافسية نادرة تؤهلها لتكون مركزاً لوجستياً محورياً يربط بين تركيا والعراق والأردن ودول الخليج، وهو ما يعيد إدراجها ضمن سلاسل الإمداد الإقليمية والدولية كحلقة وصل لا يمكن تجاوزها.

التكامل الإقليمي كمدخل لإعادة الإعمار الاقتصادي

يشير د. قوشجي إلى أن المرحلة المقبلة في سوريا مرهونة بقدرتها على الاندماج في منظومة التكامل الاقتصادي الإقليمي، حيث تتزايد مؤشرات الانفتاح من دول الجوار نحو إعادة تفعيل الممرات التجارية، بالتوازي مع اهتمام متنامٍ من دول الخليج بالمشاركة في مشاريع البنية التحتية والطاقة والمياه.
ويضيف إن هذا الاتجاه، إذا ما اقترن بإصلاحات اقتصادية داخلية، يمكن أن يشكل نقطة تحول مفصلية في بيئة الاستثمار، ويؤسس لمرحلة جديدة من تدفق رؤوس الأموال والشراكات الاستراتيجية.

سوريا كفاعل اقتصادي محوري في الإقليم

يخلص الدكتور قوشجي إلى أن سوريا، إذا ما نجحت في إعادة توظيف موقعها الجيوسياسي ضمن رؤية استراتيجية شاملة، فإنها مرشحة للتحول إلى مركز إقليمي لعبور البضائع والطاقة، ومنصة جذب للاستثمارات في قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية.
كما يمكن أن تضطلع بدور متقدم في مشاريع الأمن الغذائي والمائي الإقليمي، وأن تتحول إلى حلقة وصل رئيسية بين أوروبا والخليج عبر شبكة نقل متعددة الوسائط برية وبحرية وسككية.

رأسمال استراتيجي

ويؤكد الدكتور إبراهيم نافع قوشجي في ختام تصريحه أن الموقع الجغرافي لسوريا ليس مجرد معطى طبيعي، بل هو “رأسمال استراتيجي” قادر على إعادة تشكيل مستقبلها الاقتصادي والتنموي. فكل توسع في مشاريع الربط التجاري والطاقة والمياه بين سوريا ودول الجوار يعزز من فرص البلاد في استعادة دورها التاريخي كمركز اقتصادي فاعل في الشرق الأوسط، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعافي القائم على التكامل الإقليمي والاستدامة التنموية.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار