الحرية- سمر رقية:
تُعدّ البطالة من أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المجتمعات، إذ تعني عدم توفر فرص عمل للأفراد القادرين والراغبين في العمل.
وفي الظروف الطبيعية، يتراوح معدل البطالة بين 3% و5% من قوة العمل، لكن تجاوز هذه النسبة يشير إلى خلل عميق في بنية الاقتصاد.
أسباب متعددة
أكد خبير السياسات الاقتصادية وأستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية، الدكتور ذو الفقار عبود، لـ(الحرية)، أن الريف السوري يشهد اليوم ارتفاعاً غير مسبوق في معدلات البطالة، حيث تجاوزت في بعض المناطق، خاصة في الشمال، نسبة 85%، ما يعكس حجم الأزمة المركّبة التي تضرب مفاصل الاقتصاد المحلي.
وأشار الدكتور عبود إلى أن أسباب ارتفاع البطالة إلى هذه النسبة تعود، بشكل عام، إلى عوامل رئيسية، أبرزها الركود الاقتصادي، وضعف المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، إضافة إلى الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا التي تقلّص الحاجة إلى اليد العاملة.
وفي الحالة السورية، تتخذ الأزمة أبعاداً أكثر تعقيداً نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها: تدمير البنية التحتية، حيث تعرضت القطاعات الزراعية والصناعية لدمار واسع، ما أدى إلى توقف الإنتاج وتسريح العمال.
كما أسهم النزوح والتهجير في زيادة الضغط على سوق العمل المحدود أصلاً، ما أدى إلى ارتفاع المنافسة على فرص العمل.
ويضاف إلى ذلك تراجع القطاع الزراعي بسبب الجفاف، ونقص المياه، وصعوبة الوصول إلى الأراضي، ما قلّص فرص العمل في النشاط الرئيسي للريف، فضلاً عن ضعف الاستثمار وغياب المشاريع التنموية والاستثمارات المستدامة، مقابل تركّز الجهود على المساعدات الإغاثية قصيرة الأمد.
كما أدى انتشار العمل غير المنظم، نتيجة انخفاض الأجور وندرة الوظائف الرسمية، إلى تهديد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
إلى جانب ذلك، لعبت عوامل أخرى دوراً في تفاقم البطالة، مثل الحروب والنزاعات، والأزمات الاقتصادية العالمية، والنمو السكاني المتسارع.
أشكال البطالة
ولفت الدكتور عبود إلى أن البطالة تظهر في عدة أنماط، أبرزها البطالة الهيكلية، الناتجة عن عدم توافق مهارات العمال مع احتياجات السوق أو إحلال الآلة محل الإنسان، والبطالة الدورية المرتبطة بحالات الركود الاقتصادي وانخفاض الطلب على السلع والخدمات، إضافة إلى البطالة البنيوية الناتجة عن ضعف الاستثمار وعدم قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل كافية.
حلول واقعية للخروج من الأزمة
وأوضح الدكتور عبود أنه، رغم صعوبة الواقع، يمكن العمل على الحد من البطالة في الريف السوري عبر مجموعة من الإجراءات العملية، أهمها: دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة من خلال تقديم قروض ميسرة وتدريب فني لخلق فرص عمل محلية، وإحياء القطاع الزراعي عبر دعم المزارعين وتأهيل الأراضي وتشجيع الزراعات البديلة.
كما شدد على أهمية تطوير التدريب المهني وربط التعليم باحتياجات السوق الفعلية بدلاً من التركيز على الشهادات النظرية، والتحول إلى مشاريع تنموية مثل برامج “النقد مقابل العمل” التي توفر دخلاً وتُسهم في إعادة بناء البنية التحتية، إلى جانب جذب الاستثمارات عبر توفير بيئة آمنة ومحفزة لإعادة تشغيل المصانع والورشات.
وتشمل الحلول العامة أيضاً إصلاح منظومة التعليم، ودعم القطاع الخاص، وتعزيز ريادة الأعمال، وتحديث سوق العمل، وتنظيم النمو السكاني.
تداعيات خطيرة
ونوّه الدكتور عبود إلى أن آثار البطالة لا تقف عند الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية ونفسية خطيرة، مثل انتشار الفقر والجريمة، وتفاقم المشكلات النفسية لدى الشباب، وتراجع مستوى المعيشة، وضعف النمو الاقتصادي، وتفشي الجهل والتهميش.
نحو رؤية تنموية مستدامة
ويرى أخيراً أن معالجة البطالة في الريف السوري تتطلب الانتقال من الحلول المؤقتة إلى استراتيجيات تنموية طويلة الأمد تركز على الإنتاج والاستثمار وبناء القدرات. فمن دون إعادة تفعيل الاقتصاد الريفي، ستبقى البطالة تهديداً مباشراً للاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة.