جوهر التعافي يبدأ من رفع إنتاجية الفرد.. آفاق البناء الهيكلي في الاقتصاد الوطني

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية- لوريس عمران:

أكد الخبير الاقتصادي في جامعة اللاذقية الدكتور علي ميا أن عودة مناطق الجزيرة السورية إلى كنف الدولة تمثل “نقطة ارتكاز جيو اقتصادية” تتجاوز في أبعادها استرداد السيادة الجغرافية لتشكل إعادة تفعيل للمحركات الحيوية في الدورة الإنتاجية الوطنية.

تحديات البنية التحتية في المناطق المحررة

وأشار الدكتور ميا لصحيفة “الحرية” إلى أن هذه العودة تفرض الانتقال إلى مرحلة التعافي التراكمي التي لا تقاس نتائجها بالمتغيرات اللحظية، بل بقدرة الدولة على إعادة ربط السلاسل الإنتاجية بين مراكز الاستهلاك ومناطق الوفرة في الموارد الخام.
وفي تشخيصه لواقع المناطق المحررة، يوضح ميا أن محافظة الرقة والبيئات المحيطة بها تواجه تحديات بنيوية بالغة التعقيد نتيجة التدهور الحاد في شبكات الخدمات الأساسية من مياه وطاقة ولوجستيات نقل.
لافتاً إلى أن استراتيجية التعافي يجب أن تنطلق من مبدأ تأهيل القاعدة التحتية كشرط استباقي وضروري لتحفيز الموارد الذاتية، مشدداً على أن امتلاك الرقة لموارد مائية وأراض زراعية خصبة يمنحها ميزة تنافسية تؤهلها لقيادة قاطرة الصناعات الزراعية والتحويلية في المرحلة المقبلة.
وعلى صعيد التحول الصناعي بين الدكتور ميا أن التوجه نحو ترميم المنشآت الاستراتيجية، وفي مقدمتها مصنع سكر مسكنة، يعكس سياسة حكيمة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الاستيراد عبر استغلال الأصول القابلة للتشغيل، مشيراً إلى أن الطفرة النسبية في ترخيص المنشآت الصناعية الجديدة، والتي تجاوزت 3500 منشأة (هذا ما أكده وزير الاقتصاد)، تبرهن على حيوية القطاع الخاص وقدرته على إعادة ضخ الاستثمارات في الحواضن الإنتاجية الكبرى مثل عدرا والشيخ نجار وحسياء، ما ينبئ بتوسع تدريجي في القدرات التصديرية.

أمن الطاقة والحلول التقنية المطلوبة

أما في ملف الطاقة والموارد الطبيعية، قدم الخبير الاقتصادي قراءة تحليلية للمهل الزمنية اللازمة للتشغيل، حيث اعتبر أن الموارد المائية تمتلك مرونة استجابة أسرع مقارنة بالقطاع النفطي الذي استنزف فنيّاً لأكثر من عقد ونصف.
موضحاً أن النهوض بهذا القطاع يتطلب تبني تقنيات حديثة كالحفر الأفقي، وعقد شراكات استراتيجية مع خبرات أجنبية لتطوير الحقول وتحديث المصافي وشبكات الإمداد، لضمان استدامة تدفق الطاقة للمنشآت الإنتاجية.
وشدد الخبير الاقتصادي على ضرورة ترسيخ هوية الاقتصاد الحر الموجه حيث تتحول الدولة من دور الوصاية المباشرة إلى الدور التيسيري والتنظيمي، مع الحفاظ على الأصول العامة كإرث وطني عبر شراكات إدارة مع القطاع الخاص.
لافتاً إلى أن توسع النشاط الإنتاجي كشف عن فجوة في العمالة الماهرة، ما يفرض على الحكومة والصناعيين معاً إطلاق برامج تدريبية تخصصية مكثفة لتعويض الفقد في رأس المال البشري الماهر.
وفي ختام رؤيته خلص الدكتور علي ميا إلى أن التحدي الأكبر للنهوض الاقتصادي يكمن في تجاوز “العقبة الذهنية” الناتجة عن سنوات الانغلاق، وبناء جسور الثقة مع النظام المالي العالمي عبر صفقات تتسم بالشفافية والنزاهة، مؤكداً أن جوهر التعافي يبدأ من رفع إنتاجية الفرد وربطها بالإنتاجية الكلية، معتبراً أن تعزيز الشعور بالملكية الوطنية للمشاريع هو الضمانة الحقيقية لتحويل الموارد في الشمال الشرقي إلى قاعدة صلبة لنهضة اقتصادية مستدامة.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار