الحرية – هناء غانم:
هل كانت صناعتنا السورية في أفضل حال؟ أم إن الصورة التي يروج لها البعض عن نجاحها وتميزها في التسعينيات وحتى ما قبل 2011 مجرد أساطير؟
“الحرية “حاولت التوصل إلى إجابة شافية عما يتم تداوله حول حال الصناعة الوطنية.
حمائية مفرطة وعوامل دعم غير عادلة
الخبير الاقتصادي د. فيصل العطري يرى أن الرؤية المثالية للصناعة لا تصمد أمام التدقيق العلمي والاقتصادي، فعند وضع الصناعة تحت المجهر، باستخدام تقارير موثوقة من منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (UNIDO)، البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، تظهر الحقيقة الصادمة، أن صناعتنا اعتمدت على دعم حكومي هائل وحماية مفرطة، لكنها بقيت غير قادرة على المنافسة، ضعيفة التصدير، وعاجزة عن الاستدامة.
وأضاف في تصريح لـ”الحرية”: في التسعينيات سادت فكرة أن الصناعة السورية كانت تحقق الاكتفاء الذاتي وتخترق الأسواق الخارجية بسهولة، لكن الواقع يكشف أن هذه الإنجازات كانت مبنية على حمائية مفرطة وعوامل دعم غير عادلة، الدعم الهائل للوقود على سبيل المثال، وصل إلى نسبة تقدر بـ 12% من الناتج المحلي عام 2007، حيث كان النفط يباع بأقل من تكلفته والأسعار العالمية، ما منح الصناعات خصوصاً في قطاع النسيج والغذائية تخفيضاً يصل إلى 80% على تكلفة الطاقة مقارنة بالدول الأخرى، ولم يقتصر الأمر على النفط بل شمل الطاقة الكهربائية أيضاً، وكان لهذه الممارسات أثر مباشر على الكفاءة والابتكار، إذ أشار صندوق النقد الدولي إلى أن هذا الدعم غير عادل ويشجع على الإسراف.
أدت الحمائية إلى غياب المنافسة، وأصبحت السوق المحلي متقبلة لأي منتج بغض النظر عن جودته، فيما كانت الضرائب شبه معدومة بسبب تهرب ضريبي واسع، وسط فساد مزمن يمنع أي رقابة فعالة، وانخفضت الأجور نتيجة الدعم الحكومي للغذاء والطاقة، ما قلل من الأداء والإنتاجية، إلى جانب ذلك كانت حقوق الملكية الفكرية ضعيفة أو غير مطبقة، ما أعاق الابتكار وجذب الاستثمار الأجنبي، كما ورد في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية عام 2011.
أما التصدير فكان ضعيفاً وخجولاً، حيث انهار بين 1990 و2000 من 2 مليار دولار إلى 0.7 مليار، بعد فقد الأسواق السوفييتية، وبقيت الأسواق المجاورة والعربية، مع تراجع نسبة المنتجات المتوسطة وعالية التقنية من 28% إلى 1%. حتى عام 2007، كانت الصادرات غير النفطية ضعيفة، إذ إن القطاع النسيجي، وهو القطاع الرئيس، كان يصدر 15-20% فقط من إنتاجه ويواجه منافسة شديدة بعد رفع بعض الحواجز.
كما يشبه الدكتور العطري الصناعة السورية بمريض مزمن يعتمد على المسكنات، ظاهرها صامد، لكن أسلوبها لا يعالج الداء، ويهدد المستقبل الاقتصادي.
وعن الوضع الحالي جزم العطري بانه ليس أفضل، فهو أشبه بمريض بدأ يتناول “الأدوية الحقيقية”، أكثر فعالية لكنها تحتاج إلى صبر وإصلاحات جذرية حتى يتعافى الاقتصاد.
ولأن الصناعة لا يمكن أن تنهض بمعزل عن الزراعة، يؤكد الدكتور العطري أن النهوض بالاقتصاد يبدأ من تعزيز القطاع الزراعي، الذي يشكل 15-16% من الناتج المحلي الإجمالي، والزراعة تواجه تحديات جفاف متزايد وتدهور منظومة الري، إلى جانب انخفاض حصص المياه نتيجة عدم التزام تركيا بحصص سورية والعراق من نهري دجلة والفرات، ومن هنا تأتي توصياته التي تؤكد على ضرورة إعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية، إصلاح شبكات الري، إزالة الألغام من الأراضي الزراعية، واستعمال الطاقة المتجددة في الضخ لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي وتحسين الإنتاجية، كما أوصت FAO في خطة الطوارئ والتعافي 2025-2027.
ربط الإنتاج بالأسواق
ويشدد الدكتور العطري على التفاوض مع تركيا لاستعادة حصص المياه الكاملة، خاصة بعد حل مشكلة قسد، وتبني الزراعة المناخية الذكية، وتوزيع بذور مقاومة للجفاف وأسمدة وأدوات مناسبة، وتفعيل برامج مدارس الحقول Farmer Field Schools لتدريب المزارعين عملياً. حيث أثبتت هذه الطريقة نجاحًا كبيراً، في زيادة الإنتاج والدخل وتقليل استخدام المبيدات، كما يقترح تشجيع خريجي الكليات والمعاهد الزراعية على العودة إلى الأرض، وتخفيض معدل الانتساب لكليات الهندسة الزراعية مقابل التزام الطلاب بالعمل في الزراعة لمدة خمس سنوات على الأقل.
ويشير أيضاً إلى تعزيز التعاونيات النسائية والشبابية لربط الإنتاج بالأسواق، وتقديم تسهيلات إدارية وضريبية لإنشاء المزيد من الصناعات الغذائية والزراعية، وإصدار تشريعات تسمح بالاستثمار الزراعي متعدد الأغراض، ودعم إنشاء شركات تصدير زراعي لتقليل الاعتماد على السوق الداخلية، مع تقديم إعفاءات جمركية وضريبية لاستيراد وصناعة أنظمة الري الحديثة، وربط مقدار الإعفاء بفاعلية النظام، كما يقترح دعم صناعة الأسمدة والأعلاف، وتقديم إعفاءات على مدخلاتها وآليات إنتاجها، واعتماد أساليب الري والزراعة الحديثة تدريجياً بدل التقليدية.
ويؤكد العطري على تشجيع الزراعة العضوية والاعتماد على المزارع العائلية كنموذج ناجح أثبت فعاليته في دول مثل الصين وسيريلانكا وتايلاند، مع تقديم إعفاءات ضريبية للآليات الزراعية وسيارات النقل المبردة التي تعمل بالطاقة البديلة لتقليل التكلفة على المزارعين.
التعافي بعيداً عن المسكنات !
أما الصناعة – حسب العطري – فيجب أن ترتكز على إصلاحات جذرية، وزيادة المنافسة، وتحفيز الابتكار، وحماية الملكية الفكرية، وربط الصناعة بالزراعة والأسواق المحلية والخارجية، مع دعم الصناعات الغذائية والزراعية الصغيرة والمتوسطة.
وخلص الخبير الاقتصادي مؤكداً أن الطريق طويل لكنه ممكن، والتعافي يبدأ بخطوات مدروسة ومتكاملة من الزراعة إلى الصناعة لضمان استدامة النمو الاقتصادي.
مشيراً إلى أن القراءة الموضوعية للواقع تظهر أن التحديات كبيرة، لكن الحلول قائمة، والمؤشرات واضحة: بالإصلاح، الابتكار، والاستثمار الصحيح للموارد الطبيعية، ويمكن للاقتصاد السوري أن يبدأ رحلة التعافي الحقيقي، بعيداً عن المسكنات والأساطير.