الحرية – جهاد اصطيف:
في الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية لا يمكن الحديث عن الحكاية دون التوقف عند المدارس، حيث بدأت الشرارة الأولى، وحيث دفع التعليم ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب، فمن جدران مدرسة كتب عليها طلاب صغار كلمات حرية، إلى صفوف تحولت إلى أنقاض، ثم إلى مقاعد عادت تمتلئ بالأمل من جديد، تمتد قصة التعليم في سوريا كمرآة تعكس مسار الثورة بكل آلامها وتحولاتها.
البداية من جدار مدرسة
في ربيع عام 2011، لم يكن أحد يتوقع أن عبارة كتبها طلاب صغار على جدار مدرسة ستتحول إلى لحظة فاصلة في تاريخ سوريا الحديث، كانت كلمات بسيطة، لكنها حملت معنى أكبر من قدرة أصحابها على تخيله.
يقول محمد أيوب أحد المعلمين الذين عايشوا تلك الأيام لـ “الحرية” لم تكن تلك الكتابة مجرد تصرف طلابي، كانت تعبيراً عن شعور عام بأن شيئاً ما يجب أن يتغير.
من تلك اللحظة، أصبحت المدارس جزءاً من المشهد العام، ليس فقط كمؤسسات تعليمية، بل كمكان بدأ فيه السؤال عن الحرية والكرامة.
المدارس تحت النار
مع اتساع الاحتجاجات، دخلت المؤسسات التعليمية في قلب الصراع، كثير من المدارس أغلقت، وأخرى تعرضت للقصف من قبل النظام البائد أو تحولت إلى مراكز إيواء أو مقار عسكرية.
تقول لميس صالح مدرّسة من ريف إدلب: كنا نحاول أن نستمر في التدريس رغم كل شيء، لكن في بعض الأيام كنا نسمع القصف أقرب من صوت الطلاب، تحولت الساحات التي كانت تمتلئ بالضحكات إلى أماكن يسودها الخوف، واضطر آلاف الطلاب إلى ترك مقاعدهم، بعضهم لسنوات طويلة.
المعلمون بين الفصل والغياب
لم يكن الطلاب وحدهم من دفع الثمن، فقد تعرض معلمون للفصل من عملهم بسبب مواقفهم، وغادر آخرون البلاد، بينما اختار بعضهم التوقف عن التدريس بعد أن شعروا أن التعليم لم يعد بعيداً عن الصراع.
تضيف المعلمة صالح: كان الإصرار أن نكرر كلاماً آمنا به، وأن نحول الصف إلى مكان للانطلاقة، لأن التعليم بالنسبة لنا رسالة، وليس أداة خوف.
وبمرور السنوات، ورغم أن عدداً كبيراً من المدارس فقدت كوادرها ما أثر بشكل واضح على مستوى التعليم واستقراره خلال سنوات الحرب، ونشأ جيل كامل في ظروف غير مستقرة تعليمياً، وكثير من الأطفال انقطعوا عن الدراسة، وآخرون انتقلوا بين مدارس مختلفة، وبعضهم درس في صفوف مؤقتة داخل خيام أو أبنية مهدمة، إلا أن مسيرة التعليم استمرت دون انقطاع لتتوج بنصر مؤزر رغم التحديات.
تقول لبنى عبد الدايم طالبة جامعية اليوم، كانت في المرحلة الابتدائية عند بداية الأحداث: درسنا أحياناً بلا كتب، وأحياناً بلا كهرباء، لكننا كنا نشعر أن المدرسة هي الشيء الوحيد الذي يجعل حياتنا طبيعية.
هذه السنوات تركت أثراً عميقاً على جيل كامل، لكنه جيل تعلم التكيف مع أصعب الظروف.
محاولات إعادة البناء
مع هدوء الأحوال وعودة الاستقرار ونيل الحرية لسورية، بدأت محاولات إعادة تأهيل المدارس وإعادة الطلاب إلى الصفوف.
أعيد فتح مدارس كثيرة، وعاد معلمون إلى عملهم بعد سنوات من الانقطاع، وبدأت المؤسسات التعليمية تستعيد دورها تدريجياً.
يؤكد المعلم أيوب أنه عندما عاد الطلاب إلى الصفوف، شعرنا أن الحياة تعود معنا، المدرسة ليست فقط مكاناً للتعليم، بل علامة على أن المجتمع ما زال قادراً على الاستمرار.
جيل تعلم من الألم
بعد خمسة عشر عاماً، تبدو قصة التعليم في سوريا قصة صمود بقدر ما هي قصة خسارة،
جيل كامل كبر في زمن الحرب، لكنه لم يتخل عن حلمه في التعلم، ولم يتوقف عن البحث عن مستقبل أفضل.
يقول عبدو عبد الغفور طالب جامعي: ربما خسرنا سنوات، لكننا تعلمنا أشياء لم نجدها في الكتب، تعلمنا أن المعرفة هي الطريق الوحيد للخروج من كل ما مررنا به، لننطلق نحو مستقبل مهد له الثوار وقدم التضحيات الجسام من أجله.
فصل جديد
من جدار مدرسة بدأت الحكاية، وعلى مقاعد المدارس يستمر فصلها الجديد، خمسة عشر عاماً مرت، تغيرت فيها أشياء كثيرة، لكن بقي التعليم واحداً من أهم ميادين الصمود في سوريا، ففي بلد كتب طلابه كلمة الحرية على الجدران، ما زالوا يكتبون مستقبلهم في دفاتر العلم.