الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التحول يضع سوريا على سكة النهوض والتنمية المستدامة

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – هناء غانم:

يواجه الاقتصاد السوري في مرحلته الراهنة لحظة مفصلية، تتقاطع فيها تراكمات اختلالات بنيوية ممتدة لعقود، مع آثار حرب مدمّرة، وتحولات عالمية متسارعة تعيد تشكيل قواعد الإنتاج والقيمة والعمل، وعليه فإن أي مقاربة جادة لمستقبل الاقتصاد السوري لا يمكن أن تنطلق من حلول جزئية أو إجراءات إسعافية، بل من رؤية تحليلية شاملة تعالج جذور الخلل، وتعيد تعريف دور الدولة والمجتمع والاقتصاد في آن واحد، وفق ما أكده الدكتور زياد أيوب عربش المستشار والخبير الاقتصادي.

الحوكمة

منطق الحوكمة اعتبره المستشار عربش في تصريحه لـ”الحرية” شرطاً تأسيسياً للتنمية، مبيناً أن استنباط مؤسسات حوكمة فعّالة لا يُعد مسألة إدارية بحتة، بل شرط اقتصادي تأسيسي لوقف نزيف التنمية وإعادة توجيه الموارد نحو الاستخدام المنتج.
فغياب الحوكمة خلال العقود الماضية أفضى إلى تشوه في تخصيص الموارد، وتحول الريع – لا سيما الريع النفطي – من أداة لتمويل التنمية إلى عامل تعطيل لها، ومن هنا، فإن تحويل كل برميل نفط يُستخرج إلى سند تكنولوجي، أي إلى استثمار في المعرفة والتقانة، يشكّل مدخلًا لإعادة بناء القاعدة الإنتاجية على أسس مستدامة.

عربش مستقبل الاقتصاد مرهون برؤية وطنية تنموية متكاملة

الاقتصاد الرقمي

الاقتصاد الرقمي والتشغيل، اعتبرهما عربش كرافعتين للنهوض في عالم باتت فيه الرقمنة والتقانة محددًا رئيسيًا للتنافسية، ولا يمكن للاقتصاد السوري أن يستعيد عافيته بالاعتماد على أدوات تقليدية، فالتحول الرقمي ليس ترفًا تنمويًا، بل رافعة أساسية لزيادة الإنتاجية، وتوسيع قاعدة التشغيل، وتحسين كفاءة الأسواق، وعليه، فإن أولوية التشغيل – ثم التشغيل – ينبغي أن تكون محور السياسات الاقتصادية، ليس فقط لامتصاص البطالة، بل لإعادة دمج المجتمع في دورة اقتصادية فاعلة، تعزز الاستقرار الاجتماعي والأمن المجتمعي.

الأمن المجتمعي

لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياق الاجتماعي والسياسي، وفق ما ذكره عربش، فالأمن المجتمعي لا يتحقق فقط عبر أدوات أمنية، بل من خلال سياسات اقتصادية تولّد فرص العمل، وتحد من الفقر، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ومن هذا المنطلق، فإن الرؤية الاقتصادية المنشودة يجب أن تُصاغ كعقد اجتماعي ملزم، يحدد الحقوق والواجبات، ويضع مسارًا واضحًا لتقاسم أعباء التحول وعوائده، بما يدرأ مخاطر التفكك الاقتصادي والاجتماعي.

دروس التحولات الكبرى

الخبير الاقتصادي أوضح أن التجارب الدولية لبرامج الإصلاح الهيكلي، سواء في آسيا أو شرق أوروبا أو أمريكا اللاتينية، تظهر أن النجاح لم يكن رهين وصفات جاهزة، بل بقدرة الدول على مواءمة الإصلاح مع خصوصياتها المؤسسية والاجتماعية، كما أن التحول في مركز الثقل الاقتصادي العالمي نحو الشرق والجنوب لم يكن محض صدفة، بل نتيجة الاستثمار المكثف في المعرفة، والتقانة، ورأس المال البشري، وفي المقابل، فإن الاقتصادات التي بقيت أسيرة الريع – كما في الحالة السورية – دفعت ثمنًا باهظًا تمثل في نزيف الكوادر، وضعف الإنتاجية، وتآكل القدرة التنافسية.

فجوات التحول البنيوي في الاقتصاد السوري

عربش ذكر أن الاقتصاد السوري واجه أربع فجوات متداخلة: فجوة ما قبل الحرب، المتمثلة في اختلالات تنموية مزمنة، وفوارق مكانية حادة بين المدن والأرياف، وداخل الحيز المكاني الواحد، في ظل غياب إصلاح هيكلي حقيقي.
وفجوة الحرب، حيث أدى الصراع إلى تدمير واسع للقدرات الإنتاجية والبنى التحتية، وتراجع حاد في مؤشرات التنمية البشرية.
وفجوة إعادة الإعمار، وهي فجوة زمنية وبشرية، في ظل الحاجة إلى سنوات طويلة لإعادة البناء، بالتوازي مع استمرار هجرة الكفاءات.
إضافة إلى الفجوة التكنولوجية المستقبلية (2030–2035)، الناتجة عن التسارع التقني العالمي، والتي تهدد بإفراغ أي نهوض تقليدي من مضمونه الاقتصادي.
الخبير الاقتصادي “عربش ” أوضح أن استحقاقات المرحلة وخيارات السياسات تفرض ضرورة الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التحول، ويبدأ ذلك باستعادة الثقة عبر مراجعة دور الدولة، وإعادة هيكلة القطاع العام، وتصحيح السياسات النقدية والمالية، وتمكين قطاع الأعمال، وتفعيل المجتمع الأهلي ضمن مقاربات اقتصاديات المكان.
كما تبرز مواجهة ثلاثية الفقر والبطالة والأمية كأولوية قصوى، لما لها من آثار مضاعِفة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

الهبة الديموغرافية

وفي الوقت ذاته، تشكّل الهبة الديموغرافية الممتدة حتى عام 2035 فرصة تاريخية إذا ما أُحسن استثمارها، أو عبئًا إضافيًا إذا استمر نزيف الهجرة، خاصة بين الشباب والكفاءات، ويستدعي ذلك الارتقاء بالتعليم والتأهيل المهني، والاندماج المبكر في اقتصاد التحول الرقمي، في ظل تغير هيكلي في الطلب على الوظائف والمهارات.

أما البعد البيئي وتغير المناخ فلا يمكن إغفال أثرهما على المسار التنموي، خصوصًا في بلد يعاني من هشاشة مائية وزراعية، وعليه، فإن ضمان حقوق سورية ضمن إطار مبدأ المسؤولية المشتركة ولكن المتباينة، وتفعيل الالتزامات الدولية المناخية، يشكّل بعدًا مكملًا للرؤية التنموية الشاملة.
وخلص عربش إلى أن مستقبل الاقتصاد السوري مرهون بالقدرة على صياغة رؤية وطنية تنموية متكاملة، بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وبمقاربات جغرافية وقطاعية وزمنية واضحة، بوصفها صيرورة انتقالية واعية من التعافي إلى الاستدامة، وهي رؤية لا تقوم على الشعارات، بل على تحليل واقعي لشروط النهوض وحدوده وإمكاناته.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار