“الجار قبل الدار”.. مَثَلٌ عتيق غطاه غبار مجتمع متغيّر

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- إلهام عثمان:

بين ثقة مفتاح الأمس وقلق باب اليوم الموصد، يكمن شرخ اجتماعي عميق أعاد تعريف مفهوم “الجيرة” في مجتمعاتنا الحاضر، قصة تفكك “عائلة الحي” التي كانت صمام الأمان الأول، وتحول الجار من سند وعضد إلى مجرد “غريب مألوف”، نشاركه الجدران الصماء ولا نشاركه دفء الحياة.
كيف تحولت علاقات الجوار إلى مجرد ظل، ظاهرة تلامس واقعنا المحموم، وما أسباب الفتور الذي أصابها، في وقت متسارع يكرّس العزلة بجدارة.

من دفء المشاركة إلى برودة العزلة

لم يعد الحنين إلى الماضي حكراً على كبار السن، بل أصبح شعوراً عاماً يتردد صداه في مختلف الأوساط، وتصف المهندسة مها السيد ذات الـ34 عاماً، والتي تقطن في إحدى الضواحي الحديثة، علاقتها بجيرانها بأنها “رقمية بحتة”، وتقول: تواصلنا يكاد يكون محصوراً في مجموعة الواتساب الخاصة بالبناء؛ نناقش فواتير الخدمات، أعطال المصعد، والفواتير، كما أبارك لجارتي بمولودها عبر رسالة نصية، وأعزيها بفقيدها برمز تعبيري حزين، لم أزرها قط، فالوقت لا يسعفني، ولا أظنه يسعفها.
أما أبو رضوان ذو الـ٥٦ عاماً يضيف: في شبابي كانت جارتي السبعينية تترك مفتاح بيتها تحت أصيص الريحان، وتقول لي: الدار دارك يا بني إن احتجت شيئاً في غيابي فلا تترد، بهذه العبارة الممزوجة بالحنين، يواصل الحاج حديثه، وهو يتأمل ما تبقى من بيته في أحد أحياء دمشق القديمة، يستطرد بمرارة: أما اليوم، فأسكن في بناء حديث منذ عقد من الزمان، ولا أكاد أعرف اسم جاري الذي يقطن فوقي منذ أكثر من سبعة أعوام.

ثقافة النجاة الفردية

هذا الفتور الإجباري، كما تصفه الخبيرة الاجتماعية نورا عز الدين ومن خلال حوار مع “الحرية”، بات السمة الغالبة في مجتمعنا، مبينة أنه في ظل الظروف الراهنة، تحولت الأولويات، وأصبحت ثقافة النجاة الفردية هي الطاغية، حيث ينصب تركيز كل أسرة على تدبير أمورها المعيشية اليومية.
وتضيف كمثال على الواقع أنه في الماضي، كان تبادل أطباق الطعام عربون مودة يومي ولم يكن يقتصر على أيام شهر رمضان المبارك، أما اليوم، فقد أصبح الحرج والخجل سيد الموقف، فالظروف الاقتصادية جعلت الكثيرين يفضلون الانغلاق في بيوتهم، فالعزلة أهون من الشعور بالعجز.

كف الأذى

وإذا كان بناء علاقات المودة قد أصبح ترفاً لدى البعض، فإن “كف الأذى” -وهو أبسط حقوق الجار وأحد أعمدة الأخلاق- بات بحد ذاته مطلباً صعب المنال للأسف، ووفق رأي عز الدين، أنه في ظل غياب الروابط الدافئة، تحولت المساحات المشتركة أحياناً إلى ساحة نزاع صامتة.
ولم يعد الأذى يقتصر على العلاقات بين الجيران بل تعداه ليصبح أكبر، بدءاً من ضجيج المولدات الكهربائية التي أصبحت جزءاً من المشهد العام، إلى الخلافات الحادة حول مواقف السيارات الشحيحة.
وهنا يقول العم أبو فادي ذو الـ٥٥ عاماً: لم أعد أطمح أن يسأل جاري عن أحوالي، كل ما أرجوه ألا يلقي بنفاياته من الشرفة، وألا يتحول سطح بيتي إلى ملعب لأطفاله في ساعات متأخرة من الليل.

العداوة الصامتة

وتتعدد صور الأذى التي حولت بعض علاقات الجوار إلى حالة من العداوة الصامتة، وتعلق عز الدين، على هذه الظاهرة بالقول: عندما تنهار الثقة وتتآكل المودة، يصبح كف الأذى هو أقصى طموحات العلاقة، وهذا مؤشر خطير على انحدار رأس المال الاجتماعي، حيث يصبح تجنب الضرر هو الهدف، بدلاً من تحقيق المنفعة المتبادلة.

ومضة من الماضي

على الرغم من قتامة المشهد، فإن المعدن الأصيل للمجتمع يظهر في أوقات الشدائد، وهذا ما تؤكده أم محمد ذات الـ 55 عاماً والتي استهلت حديثها بالمثل القائل: (لو خليت خربت)، وتروي أنه خلال سنوات الأزمة القاسية، لولا وقفة الجيران ما كنا صمدنا، فمن كان يملك رغيف خبز إضافياً أو القليل من وقود التدفئة كان يتقاسمه مع جاره، وفي تلك اللحظات، أدركنا بعمق معنى الجار قبل الدار.
هذه الشهادة تكشف أن غريزة التكافل الإنساني لا تزال حية، لكنها كامنة تحت طبقات سميكة من الهموم اليومية، لا توقظها إلا الصدمات الكبرى.

نحو ميثاق جديد للجيرة

وبينت عز الدين أن مفهوم الجيرة قد تغير جذرياً، ومن غير الواقعي انتظار عودة علاقات الماضي بحذافيرها، لكن الاستسلام للعزلة ليس حلاً، لافتة إلى أن الطريق لإصلاح ما تصدع يبدأ من الأساس، من العودة إلى أبسط حقوق الجوار، من احترام حق الجار في السكينة والهدوء والنظافة والأمان، وأنه قبل أن نطمح إلى استعادة “صحن الطعام المتبادل”، علينا أن نضمن عدم التعدي على راحة بعضنا البعض.

لا ضرر ولا ضرار

قد تكون الخطوة الأولى اليوم، هي الانتقال من شعار الجار قبل الدار إلى ميثاق عملي جديد عنوانه لا ضرر ولا ضرار، هذا ما أكدته عز الدين فبناء جسور الاحترام المتبادل وكف الأذى، قد لا يعيد عائلة الحي كما كانت، ولكنه حتماً سيجعل من بيوتنا وأحيائنا مكاناً أكثر أمناً وإنسانية، ويحافظ على الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي الذي نحتاجه لمواجهة تحديات المستقبل خاصة في أيامنا هذه.

Leave a Comment
آخر الأخبار