الجزيرة السورية.. من ساحة صراع إلى خزان السيادة الاقتصادية والأمن القومي

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية-بقلم المستشار كرم خليل :

لم تعد الجزيرة السورية مجرد هامش جغرافي أو ملف نزاع مؤجل، بل باتت تمثل مركز الثقل الحقيقي في معادلة الأمن القومي السوري.

ما جرى في شمال وشرق البلاد في المرحلة الراهنة أكد أن الصراع لم يكن على الأرض فقط، بل على الموارد والحدود والقرار الاقتصادي. السيطرة على الجزيرة تعني السيطرة على مفاتيح الغذاء والطاقة والتجارة والأمن الحدودي. ومن دون حسم هذا الملف، تبقى السيادة منقوصة مهما تقدمت الدولة في بقية الجغرافيا.

ما تشهده الجزيرة اليوم يكشف انتقال الدولة السورية من منطق إدارة الأزمة إلى منطق عقيدة السيادة الشاملة.

فالدولة لا تنظر إلى الشرق بوصفه مساحة محررة فقط، بل بوصفه الخزان الذي تبنى عليه القدرة الاقتصادية، والاستقرار النقدي، والضبط الأمني طويل الأمد.

هنا، لا تدار الجغرافيا كمساحة خدمات، بل كمنظومة سيادية متكاملة.

تشكل الزراعة في الجزيرة السورية الركيزة الأولى للأمن القومي الاقتصادي، لا بوصفها نشاطاً إنتاجياً فحسب، بل كأداة سيطرة واستقرار. فمناطق القمح والقطن والذرة في الرقة ودير الزور والحسكة تمثل العمود الفقري للأمن الغذائي، وأي اختلال فيها ينعكس مباشرة على السوق والعملة.

إعادة هذه السلة الزراعية إلى منظومة الدولة تعني خفض الاستيراد، وضبط الأسعار من منبع الإنتاج، وربط الاستقرار النقدي بالإنتاج الحقيقي لا بالمضاربة أو التدخلات الظرفية. الزراعة هنا ليست قطاعاً، بل خط دفاع اقتصادي أول.

إلى جانب الغذاء، تأتي الطاقة بوصفها عنصراً سيادياً حاسماً. فالجزيرة السورية تضم الحصة الأثقل من النفط والغاز، وهي موارد لم تدر سابقاً بمنطق الاقتصاد الوطني، بل استُخدمت كأدوات ضغط سياسي وأمني خارج إطار الدولة.

استعادة السيطرة على حقول الطاقة تعني تأمين إيرادات سيادية، وتمويل البنية التحتية، وتقليص الارتهان الخارجي، وربط العائدات بالموازنة العامة عبر قنوات رسمية. هنا تتحول الثروة من عامل فوضى إلى رافعة استقرار.

تلعب المعابر والحدود في الجزيرة دوراً اقتصادياً واستخباراتياً يتجاوز مفهوم العبور التقليدي. فالمثلث الحدودي بين سوريا وتركيا والعراق كان لسنوات مساحة فراغ أمني نشطت فيها شبكات التهريب وتنظيم داعش والميليشيات العابرة للحدود.

ضبط هذا المثلث لا يعني تنظيم التجارة فقط، بل إغلاق خطوط الإمداد والتمويل، وتحويل الحدود من ثغرات إلى أدوات سيادة. المعابر هنا ليست نقاط عبور، بل مفاصل سيطرة استراتيجية.

الخزان البشري في الجزيرة السورية يمثل بعداً سيادياً لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية. فالتنوع السكاني من عرب وأكراد وسريان وآشوريين ومكونات أخرى جعل المنطقة هدفاً دائماً لمحاولات الاختراق والتوظيف الخارجي. إدارة هذا التنوع ضمن إطار المواطنة والدمج المؤسسي تسحب الذرائع من أي مشاريع انفصالية، وتعيد تعريف الانتماء بوصفه علاقة دولة لا علاقة أمر واقع.

الأمن الاجتماعي هنا شرط مباشر للأمن الاستخباراتي المستدام.

ورغم التقدم الكبير الذي حققته الدولة في الرقة ودير الزور ومحيط الفرات، فإن محافظة الحسكة ما تزال الحلقة الأكثر حساسية في المشهد.

عدم استكمال بسط السيطرة الكاملة على الحسكة يُبقي فجوة أمنية واقتصادية قابلة للاستثمار من بقايا قسد وتنظيم داعش وأطراف إقليمية تبحث عن أوراق ضغط.

الحسكة ليست مجرد محافظة، بل عقدة جغرافية وإدارية تربط الزراعة بالطاقة بالحدود وبالكتلة السكانية. أي تأخير في حسمها ينعكس مباشرة على كامل معادلة السيادة في الشرق.

من الزاوية الاستخباراتية، يتعامل مع تنظيم داعش اليوم كشبكة مرنة من الخلايا النائمة لا كتنظيم تقليدي. التنظيم أعاد تموضعه داخل بعض أرياف الحسكة ودير الزور عبر تداخل مباشر مع شبكات التهريب والاقتصاد غير الشرعي. هذه الخلايا تستفيد من خطوط التهريب العابرة للحدود لتمويل نشاطها، وتأمين الحركة، وإخفاء العناصر، مستثمرة الفراغات الإدارية والعشائرية. داعش يعمل بمنطق منخفض الظهور عبر اغتيالات محدودة، وابتزاز، وجباية أموال، لا بهدف السيطرة بل لإبقاء بيئة عدم الاستقرار نشطة. أي فراغ أمني أو اقتصادي غير مكتمل يمنحه قابلية إعادة التشغيل.

من منظور الأمن القومي، لا يمكن فصل استعادة الجزيرة السورية عن إغلاق مسارات الإرهاب غير المعلن.

المعركة هنا ليست مع تنظيم ظاهر، بل مع شبكة خفية تتغذى من التهريب، والفوضى، والاقتصاد الرمادي، وتستثمر أي تردد في الحسم. أي تهاون يفتح الباب لإعادة تدوير التهديد بأسماء وأشكال جديدة، ويحول الموارد من ركائز استقرار إلى أدوات استنزاف.

لذلك، فإن استكمال السيطرة، وضبط الحدود، وتجفيف التمويل، وإعادة دمج المجتمع في مؤسسات الدولة، ليست خيارات سياسية، بل ضرورات استخباراتية سيادية.

الدولة لا تكتمل إلا حين تغلق آخر ثغرة، وتدار الجزيرة بوصفها خزان السيادة لا ساحة اختبار.

Leave a Comment
آخر الأخبار