الحرية- عمران محفوض:
جادت السماء بخيرها بعد طول انتظار وتعاقب سنوات الجفاف، فتفجرت الينابيع، وفاضت الأنهار، وتحسنت مناسيب السدود مبشرة بموسم زراعي قادم، أقل ما يمكن أن يُقال عنه أنه وفير كماً ونوعاً.
ورغم أن الأمطار الهاطلة كانت كافية لدرجة أن كمياتها بلغت نصف المعدل السنوي في معظم المحافظات، إلا أننا تعاملنا معها كنقمة لا كنعمة، كأي مورد طبيعي آخر؛ فبدأنا بسرد أخبار الأضرار الناتجة عن السيول والفيضانات، من غمر للمزروعات المكشوفة، وتدمير للبيوت البلاستيكية؛ وانهيار للتربة والصخور؛ وقطع للطرقات، وكأن المطر لم يجلب للناس إلا المصائب والخراب، بينما في باطن أقوالنا دائماً ما نقرن هطل المطر بالخير، ونصلي ليلاً نهاراً لأن يكون غزيراً.. فلماذا نتجاهل ظاهرياً منافع الأمطار؟.
باختصار لأننا لا نتعامل مع الهطل المطري كمنافع لاحقة تفيد في ري المزروعات والأشجار المثمرة خلال فصل الصيف، وما يوازي ذلك من فائدة على الثروة الحيوانية، بل ندرك سلفاً أن معظم المياه النازلة من السماء تسلك الأودية المنحدرة إلى الأنهار والبحر دون أن تصادف في طريقها سداً أو سدة تتجمع بداخله لحين الحاجة إليها، وهذا الهدر المائي يضعنا جميعاً في حالة من الاستغراب متسائلين عن أسباب هذه السلبية.. هل بسبب غياب السياسات المائية، أو ضعف الإمكانيات الفنية والمادية لتنفيذ مشروعات تجميع مياه المطر، وجرها إلى الأراضي الزراعية وقت الحاجة..
الحصول على إجابات شافية لتلك الأسئلة يبدو غير ممكن حالياً مع استمرار رؤية مياه الينابيع والأنهار تذهب إلى البحر بلا عودة، ووسط عجز تام عن فعل أي شيء أمام جفاف متكرر يلتهم المحاصيل قبل نموها أو نضوج ثمارها، ويضع المزارعين تحت عبء خسارة موسم زراعي كانوا قد زرعوا مع غراسه آمال أسرهم في تحسين أحوالهم المعيشية، ومعها تسديد ثمن مستلزمات زراعة ذلك الموسم.
وفي السياق ذاته، لابدّ من الإشارة إلى أن هذه أمطار الخير، وما رافقها من أخبار سلبية هناك من يريد مضاعفة خسائر المزارعين عبر استصدار قرارات فتح أبواب استيراد الخضروات والفواكه على مصراعيها تحت ذرائع ارتفاع أسعارها في الأسواق المحلية، وقلة العرض من بعض الأصناف، وتوفيرها لجميع المستهلكين بأسعار مناسبة.. إلخ، بينما الغاية الأساسية من وراء صدور هذه القرارات تحقيق الربح لبعض المستوردين، ومضاعفة أضرار المزارعين، علماً أن المنطق الاقتصادي يفرض على إدارة صندوق الكوارث دفع التعويضات للمزارعين المتضررين، من أجل تشجيعهم على المضي قدماً بالعملية الإنتاجية، وبذل المزيد من الجهد للحفاظ على ما تبقى من المحصول، وهذا ما يحصل في معظم دول العالم، أما أن نبادر إلى الاستيراد تاركين المزارع يغرق مع محصوله في مستنقعات المياه والديون وعدم مدّ يد العون إليه؛ فإن ذلك يجعل الخسائر الفردية والوطنية مضاعفة؛ وربما ينقل البلاد إلى حالة دائمة من الاستيراد لا تحمد عقباها، وعند ذلك لن تنفع مبالغ التعويض مهما كبر مقدارها، ولا يفيد دعم الإنتاج الزراعي مهما علت مبالغه، وتالياً نخسر همة الفلاحين على الزراعة، وتضعف إمكانات تحقيق الاكتفاء الذاتي، ونصبح كغيرنا من الدول الواقفة في طابور استجداء الغير لمقاربة الأهداف التنموية طلباً لتحقيق الأمنين المائي والغذائي.