الحرية – لوريس عمران:
أثارت التصريحات الأخيرة لحاكم مصرف سورية المركزي عبد القادر الحصرية موجة من التفاؤل الحذر في الأوساط المالية السورية، بعد إعلانه الصريح عن وصول قيمة احتياطيات الذهب لدى المصرف إلى عتبة الـ 42 تريليون ليرة سورية، هذا الرقم الذي يعادل تماماً حجم الكتلة النقدية المطبوعة والمتداولة، يضع البلاد أمام مشهد نقدي جديد لم تعهده منذ عقود، حيث باتت كل ليرة ورقية مدعومة بشكل كامل بوزنها النسبي من المعدن الأصفر، استناداً إلى احتياطي استراتيجي يقدر بنحو 26 طناً من الذهب الصافي.
دلالات الأرقام
وفي سياق التحليل العلمي لهذا التحول بين الخبير الاقتصادي في جامعة اللاذقية الدكتورعلي ميا أن الوصول إلى نسبة تغطية 100% يعد إنجازاً نقدياً من الطراز الرفيع، لا سيما في ظل الظروف الراهنة.
وأكد الدكتور ميا لـ “الحرية “أن هذه الخطوة تعيد الليرة السورية إلى المربع الذهبي الذي يمنحها حصانة ذاتية ضد الانهيارات الدراماتيكية، مشيراً إلى أن الذهب لم يعد مجرد أصل جامد في الخزائن، بل تحول إلى “مرساة أمان” تربط القوة الشرائية للعملة المحلية بقيمة عالمية ثابتة ومستقرة نسبياً.
ولفت الدكتور ميا إلى أن الرقم المعلن للكتلة النقدية (42 تريليون ليرة) يعكس نجاح السياسات الانكماشية التي اتبعها المصرف المركزي مؤخراً لضبط المعروض النقدي ومنع الانفلات السعري، كما أشار إلى أن قيمة الـ 26 طناً من الذهب، التي تجاوزت حاجز الـ 42 تريليون ليرة، جاءت نتيجة تضافر عاملين: الأول هو الحفاظ الصارم على كميات الذهب المادية، والثاني هو الارتفاع القياسي في أسعار الذهب عالمياً، ما رفع القيمة الدفترية والسوقية للاحتياطي السوري ليعادل الكتلة النقدية المطبوعة بالكامل.
من جانب آخر أوضح الخبير الاقتصادي أن هذه التغطية الذهبية الكاملة تعمل كحاجز صد منيع أمام المضاربين في السوق الموازية، مبيناً أنه حين يدرك السوق أن المصرف المركزي يمتلك أصولاً ذهبية تغطي كافة الأوراق النقدية المصدرة، تضعف الجدوى من المضاربة على انخفاض العملة، كونها أصبحت عملة مدعومة بأصل (Asset-backed currency) وليست مجرد أوراق نقدية إلزامية تعتمد على الوعود الحكومية فقط، وشدد الدكتور ميا على أن هذا الواقع سيؤدي بالضرورة إلى تقليص الفجوة بين مستويات التضخم وبين القيمة الحقيقية لليرة في التداولات اليومية.
آفاق التعافي والاستقرار النقدي المنشود
وعن الآثار المستقبلية بين الدكتور ميا أن التحدي القادم لا يقتصر على تأمين التغطية، بل في كيفية استثمار هذا الاستقرار لزيادة وتيرة الإنتاج، ولفت إلى أن قوة العملة في نهاية المطاف تستمد من قوة الاقتصاد الحقيقي، لكن وجود قاعدة ذهبية بنسبة 100% يمنح صانع القرار النقدي هامشاً كبيراً من المناورة لتحفيز الاستثمار دون الخوف من حدوث هزات نقدية عنيفة.
موضحاً أن المصرف المركزي من خلال هذه الأرقام، يضع اللبنة الأولى في بناء نظام نقدي قادر على استقطاب الرساميل المحلية والأجنبية، نظراً لحالة اليقين التي توفرها التغطية الكاملة.
إن إعلان الحاكم الحصرية، مدعوماً بتحليلات الخبراء كالدكتور علي ميا، يرسم خارطة طريق لمرحلة من الاستقرار المتين، وبينما يراقب الشارع السوري انعكاس هذه الأرقام على أسعار السلع، يبقى الثابت الوحيد أن الذهب السوري أثبت مرة أخرى أنه الحارس الأمين للسيادة النقدية في أصعب الاختبارات التاريخية.