الحرية – صالح صلاح العمر:
مشروع “البحار الأربعة”، حين تعيد الجغرافيا كتابة السياسة في لحظة إقليمية مضطربة، حيث تختنق الممرات التقليدية للطاقة بين التوترات العسكرية والاختناقات اللوجستية، يعود مشروع “البحار الأربعة” إلى الواجهة بوصفه أكثر من مجرد فكرة اقتصادية، إنه محاولة لإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.
المشروع، الذي أعلنته سوريا وتركيا ضمن اتفاق تعاون استراتيجي، يقوم على ربط أربعة مسطحات مائية: الخليج العربي، وبحر قزوين، والبحر المتوسط، والبحر الأسود، عبر شبكة متكاملة من الطرق والسكك الحديدية وخطوط الطاقة. والهدف المعلن هو تحويل البلدين إلى مركز إقليمي لإعادة توزيع الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا.
لكن خلف هذا الطرح التقني، تكمن تحولات أعمق، فالعالم، وخاصة أوروبا، يبحث اليوم عن بدائل للطاقة بعد تراجع الاعتماد على روسيا، في وقت تتزايد فيه المخاطر في ممرات حيوية مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز، وهنا يبرز المشروع كخيار استراتيجي يراهن على “البر” بديلاً جزئياً عن “البحر”، وعلى الاستقرار الجغرافي بدل هشاشة الممرات البحرية.
الجديد في المشروع ليس فكرته، بل توقيته، فقد طُرح لأول مرة عام 2009، لكنه تعثر بسبب الحرب السورية وتعقيدات الإقليم، أما اليوم، فإن تقارباً سورياً تركياً، مدفوعاً بحاجات اقتصادية وضغوط دولية، يعيد إحياءه ضمن سياق مختلف، حيث تسعى أنقرة لتعزيز موقعها كمركز عالمي للطاقة، بينما تبحث سوريا الجديدة عن دور يعيدها إلى الخريطة الاقتصادية بعد سنوات العزلة.
ومع ذلك، لا يمكن قراءة المشروع بمعزل عن التحديات، فتنفيذه يتطلب استثمارات ضخمة، واستقراراً سياسياً طويل الأمد، وتنسيقاً مع دول الجوار، كما أنه يواجه منافسة من مشاريع ممرات بديلة، سواء عبر الخليج أو شرق المتوسط.
في المحصلة، “البحار الأربعة” ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل هو اختبار لقدرة المنطقة على التحول من ساحة صراع إلى عقدة حل ووصل، فإذا نجح، فقد يعيد تعريف دور سوريا الجديدة وتركيا في الاقتصاد العالمي، أما إذا تعثر، فسيبقى مثالاً جديداً على المشاريع الكبرى التي هزمتها السياسة قبل أن تولد.
وبين الطموح والواقع، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع الجغرافيا هذه المرة أن تنتصر على التاريخ؟