الرئيس الشرع ورسالة بوتين.. دلالات المضمون والتوقيت وما هو «التعاون العملي» الذي تعرضه روسيا؟

مدة القراءة 7 دقيقة/دقائق

الحرية – مها سلطان:
ما زالت الرسالة التي تلقاها الرئيس أحمد الشرع من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس الخميس، تشغل مساحة بارزة في المشهد السياسي القائم، خصوصاً أنها جاءت وسط عودة زخم النشاط الدبلوماسي الدولي إلى سوريا، مع الزيارة الثانية لوزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك (الأولى كانت في 3 كانون الثاني الماضي) وافتتاح سفارة بلادها في دمشق بعد إغلاق دام 13 عاماً، مؤكدة أن افتتاح السفارة يعني التزاماً طويل الأمد مع سوريا.
بالتزامن، تسعى فرنسا لاستئناف عمل قنصليتها في حلب بعد إغلاقها في عام 2012، حيث شهد يوم أمس الخميس لقاءً بين محافظ حلب عزام الغريب والمبعوث الفرنسي الخاص إلى سوريا جان فرنسوا غيوم، وفق ما أوردته محافظة حلب على قناتها الرسمية بمنصة «تيلغرام» مشيرة إلى أن اللقاء تضمن مناقشة سبل تعزيز التعاون الثنائي في مجالات إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية والدعم الإنساني.

– التعاون العملي
لوهلة، بدت هذه الرسالة مفاجئة، حيث غابت أي مؤشرات تمهيدية لها، رغم أن روسيا تسعى على قدم وساق في سبيل ترتيب علاقات جديدة مع سوريا، ولكن هذا السعي- في أغلبه- يتم بعيداً عن الإعلام، لذلك عندما تَعمد روسيا إلى خطوات مُعلنة، فهذا يعني أن وضعاً ما، أو تطوراً ما، أو ضرورة ما، استدعت هذا الإعلان، وكثير من المراقبين رأى أن رسالة بوتين للرئيس الشرع هي خطوة واسعة لافتة، وهي الثانية على المستوى الرئاسي الروسي باتجاه الرئيس الشرع بعد الاتصال الهاتفي بينهما منتصف شباط الماضي، وكان بمبادرة من بوتين.
مضمون الرسالة بدوره كان لافتاً، يمكن القول هنا إن الرئيس بوتين سعى إلى توسيع دائرة العروض الروسية المُقدمة لسوريا، ضمن ما سماه تطوير «التعاون العملي» مع القيادة السورية «في كامل نطاق القضايا المدرجة على جدول الأعمال الثنائي من أجل تعزيز العلاقات الروسية- السورية الودية التقليدية» إلى جانب تجديد دعم روسيا «لجهود تحقيق الاستقرار السريع في سوريا بما يضمن سيادتها واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها». هذا طبعاً وفق ما قاله المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف في تصريحاته حول رسالة بوتين للشرع.

لوهلة بدت الرسالة مفاجئة مع غياب أيِّ مؤشرات تمهيدية لها رغم أن روسيا تسعى على قدم وساق لترتيب علاقات جديدة مع سوريا

ورغم أن الحديث الروسي عن تطوير «التعاون العملي» هدفه إظهار أن تطورات إيجابية قادت إلى مثل هذا الحديث، إلا أن سوريا لا تصرح بالكثير حول مستقبل العلاقات مع روسيا، وتكتفي بتأكيد انفتاحها على الجميع، وسعيها إلى علاقات دولية متوازنة تصب في خدمة المصالح السورية، ومنها العلاقة مع روسيا. وكان الرئيس الشرع أكد في أكثر من مناسبة أن سوريا مهتمة ببناء علاقات إستراتيجية مع روسيا على أساس سيادة الدولة السورية واستقرارها واستقلال قرارها.

– المضمون والتوقيت
وكان من البدهي، أن يعمد المراقبون إلى ربط رسالة بوتين، بمسارين: الأول تطورات الداخل السوري الأخيرة، والثاني التقارب الروسي- الأميركي وانعكاسه على ملفات عالمية عديدة، منها سوريا، ويرون أن رسالة بوتين كانت متعمدة في لهجتها وتوقيتها، وربما كانت روسيا ترى أن الوقت حان لتوسيع دائرة العلاقات بخطوات مُعلنة، فهناك إيجابية سورية أكثر وضوحاً، وهناك ظروف إقليمية دولية تصب في مصلحة استعادة العلاقات وتطويرها بصورة «عملية» في كل القضايا، وفق ما جاء في رسالة بوتين.. ولا يخفى أن القضية الرئيسة بالنسبة لروسيا هي الحفاظ على قاعدتيها في اللاذقية وطرطوس وبما يؤمن استدامة تواجدها في المنطقة عبر موقع متقدم فيها تمثله سوريا.
في هذا الإطار، كان موقع «تانكر تراكرز» المتخصص في تتبع حركة السفن وشحنات النفط العالمية، تحدث أمس الأول عن ثلاث ناقلات روسية محملة بالنفط الخام، اثنتان وصلتا سوريا، والثالثة ستصل في 3 نيسان المقبل، مشيراً إلى ما سماه «اتفاقات محددة» تتم بين دمشق وموسكو، ولا تُفصح عنها أي منهما. ويشير الموقع إلى أنه يتم الإعلان عن وصول هذه الناقلات من دون الافصاح عن هويتها، أي عائديتها.

روسيا ربما ترى أنّ الوقت قد حان لتطوير العلاقات فهناك إيجابية سوريّة أكثر وضوحاً وظروف إقليمية دولية مناسبة

لكن الموقع يحذر القيادة السورية من أن تعزيز العلاقات مع روسيا يمكن أن يؤثر سلباً على ملفات التعاون الدولي الأخرى، خصوصاً ملف رفع العقوبات (لكنّ المراقبين يرون أن الوعود الدولية برفع العقوبات لم يتم ترجمة أي منها بصورة جدية، وحتى العقوبات التي تم رفعها جزئياً وبصورة مؤقتة ليست كافية ولم يظهر لها أي قيمة حتى الآن.. وعليه لا تستطيع القيادة السورية الاستمرار في التعويل على هذه الوعود في ظل تحديات أمنية/اقتصادية تتفاقم وتتعمق، ولا شك في أنها ستبحث عن أطراف أخرى، وهذا حقها، وهنا تبرز روسيا).

– توسيع التفاوض
وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، قالت في عددها الصادر في 6 آذار الجاري، نقلاً عن مسؤولين أميركيين: إن علاقة روسيا مع الحكام الجدد في دمشق اكتسبت زخماً بعد الاتصال الأول بين الشرع وبوتين- منتصف شباط الماضي- وأن دمشق تريد فتح صفحة جديدة مع موسكو.

رسالة بوتين للرئيس الشرع هي بلا شك خطوة روسية واسعة ولافتة لكن الحكم دائماً على النتائج النهائية

وبحسب الصحيفة الأميركية فإن موسكو عرضت على دمشق عقوداً استثمارية تتضمن مرحلة جديدة في بناء مرفأ طرطوس، الذي تم تعليقه، وتطوير امتيازات الغاز الطبيعي البحرية العملاقة ومناجم الفوسفات وحقول الهيدروكربون في منطقة تدمر؛ بالإضافة إلى بناء معمل للأسمدة في مدينة حمص وسط سوريا.
ووفقا لمصادر مطلعة، سعى الروس إلى التفاوض بشأن مستقبل قاعدة حميميم الجوية، وقاعدة طرطوس البحرية، لكن المحادثات توسعت لتشمل علاقات اقتصادية أوسع.
وترى الصحيفة الأميركية أن كل ذلك يشير إلى بدايات اتفاق يلوح في الأفق القريب.

– لننتظر ونرَ
أياً يكن من شأن ما يجري الحديث عنه فيما يخص العلاقات السورية الروسية ومستقبلها، لا بد من انتظار اعلانات رسمية خصوصاً من الجانب السوري. صحيح أن رسالة بوتين للشرع تعد خطوة روسية كبيرة، إلا أن الحكم دائماً على النتائج النهائية.

Leave a Comment
آخر الأخبار