ليست ترفاً.. الرقمنة ضرورة هيكلية لإعادة بناء الثقافة ومؤسسات الدولة وتحفيز الاقتصاد

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – منال الشرع:

في عصر تتسارع فيه وتيرة الحياة، لم يعد المواطن يقبل بالخدمات التقليدية البطيئة، من هنا ينطلق التحول الرقمي ليس فقط كأداة لتحديث أساليب العمل الحكومي، بل كاستجابة مباشرة لتطلعات المجتمع نحو الكفاءة والشفافية، إنه يمثل الجسر الذي يربط بين المؤسسات والأفراد، محولًا الإجراءات المعقدة إلى خدمات بسيطة يمكن الوصول إليها بضغطة زر، ما يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على أسس من الثقة والسرعة.

لتحسين الشفافية والمساءلة

يقول الخبير الاقتصادي الدكتور فراس شعبو لـ”الحرية” إن التحول الإلكتروني على المستوى الدولي لم يعد خياراً تجميلياً أو ترفا إداريا، بل أصبح ضرورة هيكلية لإعادة بناء الثقافة ومؤسسات الدولة بشكل أساسي، وضبط الموارد، والحد من الهدر، وتحفيز الاقتصاد، ويشير إلى أن البيئة التي نعاني فيها من ضعف الكفاءة، وارتفاع تكلفة المعاملات، والبطء في إنجازها، تجعل من عملية الرقمنة أداة إصلاح إداري واقتصادي في آن واحد.

ويضيف شعبو: إن للرقمنة أثراً على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والخدمي بشكل أساسي، مؤكداً أن التحول الرقمي ليس مجرد أتمتة للمعاملات، بل هو انتقال من إدارة تعتمد على الأشخاص إلى إدارة تعتمد على النظام بشكل أساسي، هذه هي الفكرة الجوهرية، وهي التخلص من الارتباط بالشخص لصالح وجود نظام مؤسسي.

ويرى شعبو أن الحكومة الإلكترونية مثال بارز على ذلك، حيث يمكن للمواطن استخراج كل ما يحتاجه من وثائق، وأخذ مواعيد الطبيب، وإغلاق فاتورة مياه، ودفع المستحقات، والتقديم للحصول على جواز سفر، أو بيان سكن، أو بيان ولادة، أو إخراج قيد، وأي شيء آخر قد يحتاجه، فالمواطن ليس بحاجة للذهاب إلى أي مكان، بل يمكنه من منزله إنجاز كل شيء، وهذا بدوره يؤدي إلى خفض تكلفة المعاملات من حيث الوقت والجهد والمال، ويخفف من الرشاوى، حيث إن المواطن ليس بحاجة إلى “واسطة” لإنجاز عمله، بل يمكنه إنهاء كل شيء من بيته.

وحسب شعبو فإن هذا الأمر مهم جداً لتحسين الشفافية والمساءلة، حيث يصبح كل شيء واضحاً أمام الجميع، فعندما نتحدث عن الصناديق السيادية أو صناديق التنمية، يمكن للجميع أن يرى ما ورد من تبرعات، وكيف تم تحقيق الأهداف، ومن هم المتبرعون، وأن كل الأموال التي تم التبرع بها ذهبت إلى وجهتها المحددة بموجب عقود واضحة، هنا، يتحقق نوع من الشفافية وتُستعاد الثقة بمؤسسات الدولة بشكل أساسي. ويضرب مثالاً بوزارة الخارجية وإدارة القنصليات التي طورت تطبيقًا لحجز المواعيد، ما أراح الناس بشكل كبير، ففي إسطنبول على سبيل المثال، كان المواطن يدفع مئتي دولار لمجرد الدخول إلى القنصلية، أما اليوم، فيمكنه فتح التطبيق ورؤية المواعيد المتاحة ومعرفة أن كل موعد محجوز برقم معين، ما سهل العمليات بشكل كبير وأضفى عليها سلاسة ملحوظة.

ووفق شعبو، يتطلب هذا الأمر بنية تحتية قوية، تشمل اتصالاً مستقراً بالإنترنت، ومركز بيانات، وجدار حماية وذلك لتجنب أي عملية اختراق للبيانات، وهو ما حدث في كثير من الدول.

وحسب شعبو، لا بد من وجود إطار قانوني واضح، بحيث تكون هناك قوة إبرائية لهذه البيانات أو المعلومات المستخرجة من هذه التطبيقات، حتى تحظى بالقبول في المعاملات المؤسسية والعمل الحكومي.

وعليه فإن تأهيل الموارد البشرية هو الأساس، ويشمل ذلك تدريب الموظفين وبناء كوادر تقنية داخل الوزارات والمؤسسات بشكل أساسي، ويجب أن تكون هناك منصة موحدة تمكن المواطن من الوصول إلى كافة الخدمات، على غرار النموذج الدولي المتكامل، حيث يكون لكل مواطن حسابه الخاص المرتبط بالرقم الوطني، فمن خلال هذا الحساب، يمكن للمواطن الاطلاع على سجله الطبي ومعرفة ما وصفه له الطبيب قبل خمس سنوات على سبيل المثال، هذه المنصة الحكومية تسهل كل شيء، بما في ذلك الاطلاع على الممتلكات، والمخالفات، وحتى التبليغات التي تصل جميعها إلى هذه المنصة بشكل أساسي.

تحديات

وأوضح الدكتور فراس شعبو أن هناك تحديات تواجه مسيرة التحول الرقمي في سوريا، لكن أثرها الاقتصادي يظل قوياً وإيجابياً، وبمقدمتها ضعف البنية التحتية، إذ يمثل النقص في خدمات الكهرباء والإنترنت عائقاً رئيسياً أمام أي تقدم تقني.

والتحدي الآخر يكمن بمقاومة التغيير، فذكر الدكتور شعبو أنه تفاجأ بوجود إدارات لا تزال تعتمد كلياً على العمل الورقي، بل إن بعضها يفتقر حتى إلى وجود أجهزة حاسوب، واصفا هذا الوضع بأنه “جاهلية إلكترونية مطلقة”.

ويشكل محدودية التمويل تحدياً يواجه مسيرة التحول الرقمي في سوريا، حيث تتطلب مشاريع التحول الرقمي استثمارات مالية ضخمة قد لا تكون متوفرة، والتحدي الأخير يتمثل بالمخاطر الأمنية، إذ إن ضعف البنية الرقمية قد يعرضها لهجمات إلكترونية، ما قد يعيد الجهود المبذولة إلى نقطة الصفر.

الأثر الإيجابي على الاقتصاد

على الرغم من التحديات، إلا أن الدكتور  شعبو سلط الضوء على الفوائد الاقتصادية الكبيرة التي يمكن أن يجنيها الاقتصاد السوري من التحول الرقمي، وتشمل:

-زيادة الإيرادات العامة، من خلال تحسين كفاءة تحصيل الضرائب والرسوم، وتقليل التهرب الضريبي، حيث تساهم الرقمنة في زيادة الشفافية وتصعّب عمليات التهرب.

-تحسين بيئة الأعمال، إذ إن تسهيل إجراءات تسجيل الشركات، ودفع الرسوم، واستخراج التراخيص إلكترونياً يعزز من سهولة ممارسة الأعمال.

– تقليص الاقتصاد غير الرسمي، عبر دمج الأنشطة الاقتصادية غير المسجلة في المنظومة الرسمية.

– دعم الاستقرار وجذب المستثمرين، فوجود بيئة أعمال حديثة وشفافة يعد عاملًا أساسيًا لجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

Leave a Comment
آخر الأخبار

Warning: PHP Startup: Unable to load dynamic library 'imagick.so' (tried: /usr/local/lib/php/extensions/no-debug-non-zts-20220829/imagick.so (/usr/local/lib/php/extensions/no-debug-non-zts-20220829/imagick.so: cannot open shared object file: No such file or directory), /usr/local/lib/php/extensions/no-debug-non-zts-20220829/imagick.so.so (/usr/local/lib/php/extensions/no-debug-non-zts-20220829/imagick.so.so: cannot open shared object file: No such file or directory)) in Unknown on line 0

Warning: PHP Startup: Unable to load dynamic library 'sodium.so' (tried: /usr/local/lib/php/extensions/no-debug-non-zts-20220829/sodium.so (/usr/local/lib/php/extensions/no-debug-non-zts-20220829/sodium.so: cannot open shared object file: No such file or directory), /usr/local/lib/php/extensions/no-debug-non-zts-20220829/sodium.so.so (/usr/local/lib/php/extensions/no-debug-non-zts-20220829/sodium.so.so: cannot open shared object file: No such file or directory)) in Unknown on line 0