الزراعات المحمية في الساحل السوري تتقاذفها الأمواج والأزمات

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – سمر رقية:

تعد البيوت البلاستيكية في الساحل السوري ركيزة اقتصادية أساسية لإنتاج الخضار المبكرة، رغم غضب الطبيعة وتدني المردود المادي أحياناً بسبب التكاليف، يبقى الصمود والتمسك الأسطوري بوجه العواصف وتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار معقولة هو التحدي الأكبر.

صناديق أمان

الخبيرة الزراعية المهندسة سمية أحمد فياض أكدت لـ « الحرية » أنه على امتداد الشريط الساحلي السوري من ضواحي طرطوس وصولاً إلى أرياف اللاذقية، لا تُعتبر البيوت البلاستيكية مجرد منشآت زراعية، بل هي صناديق أمان يعود إليها ابن الساحل في كل تفاصيل حياته، فهي الرصيد الذي يزوج الأبناء، والقسط الذي يُدخل الطلاب الجامعات، والعملة الصعبة التي يواجه بها غلاء المعيشة، لكن هذا الاعتماد الكلي جعل من المزارع الساحلي رهينة لتقلبات الطبيعة وقسوة الأسواق، في صراع بقاء يومي لا يرحم.

دورة اقتصادية متكاملة

وأشارت فياض إلى أن مجتمع بأسره خلف البيوت المحمية لذلك تتجاوز هذه الزراعة كونها مهنة فردية لتصبح نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعتاش عليه ابناء الساحل بمختلف شرائحهم، المالك الذي يرهن أرضه ومدخراته لتأمين مستلزمات الإنتاج الباهظة، آملاً في موسم يعوضه عن تعب السنين، والمزارع (المستأجر أو الشريك) الذي يستثمر جهده وعرقه ويغامر بقوت يومه في معادلة “النصف” أو “الضمان” معلقاً آماله على استقرار الأسعار، والعامل والأصح جيش من العمالة اليومية من مزارعين وناقلين وفنيي بيوت، ترتبط لقمة عيشهم اليومية بسلامة هذه المحاصيل، فإذا توقف البيت البلاستيكي توقفت نبضات الحياة في مئات المنازل المحيطة.

سد رمق

وألمحت فياض بسؤال يطرح نفسه بحدة في ظل التضخم الراهن هل تكفي ( البندورة والخيار ) لسد رمق الأسرة؟ لتجيب أنه في سنوات الوفرة واستقرار المدخلات، كانت الزراعة المحمية تحقق “بحبوحة” ملموسة، أما اليوم ومع وصول تكلفة البيت الواحد إلى أرقام مليونية، أصبح العائد بالكاد يغطي النفقات الأساسية، فالمزارع اليوم يزرع “ليسدد ديونه السابقة” ويفتح “ديوناً لاحقة”، ما حول الدخل من “فائض للرفاهية” إلى “حد أدنى للبقاء”، ومع ذلك تظل هي الخيار الوحيد والمتاح أمام انعدام البدائل الوظيفية أو الصناعية القادرة على استيعاب هذا الكم من الأيدي العاملة.

تمسك أسطوري

وتلفت فياض إلى أنه رغم المشهد الضبابي يظهر ابن الساحل تمسكاً أسطورياً بهذه الزراعة رغم غضب الطبيعة، و أن ليلة واحدة من “الصقيع الغادر” قد تجمد عروق نباته وتحولها إلى حطام، وأن “تنيناً بحرياً” هائجاً قد يقتلع استثمار سنوات في ثوانٍ معدودة، فهذا التمسك ليس عاطفياً فحسب، بل هو “عناد وجودي”؛ فالمزارع الذي تكبد خسائر فادحة العام الماضي، يعود هذا العام ليرمم بيوته، مدفوعاً بخبرة متوارثة وإيمان بأن الأرض هي الملاذ الأخير، وهو يقامر بما تبقى له، ومدركاً أن الأوبئة الفطرية وتفاوت الأسعار في سوق الهال هي خصوم لا تقل ضراوة عن الطبيعة.

تحديات التسويق والأوبئة

وترى فياض أن حلقة المعاناة تكتمل عند التسويق حيث تضيع هوامش الربح بين تكاليف العبوات وأجور النقل التي تنهش الجيوب، وعمولات الوسطاء يضاف إلى ذلك ظهور سلالات جديدة من الأوبئة والأمراض التي تتطلب مبيدات بأسعار فلكية، ما يجعل المزارع في استنزاف مادي ونفسي مستمر.

عصب الحياة

وتشير فياض إلى أنه رغم كل ما تقدم تبقى الزراعة المحمية في الساحل السوري هي “عصب الحياة” الذي يحتاج إلى مظلة حماية وطنية، وترى أن صمود المزارع وتمسكه بأرضه رغم الكوارث الطبيعية والاقتصادية هو فعل مقاومة حقيقي، ولضمان استمرار هذا الشريان، لا بد من تدخلات حكومية تتجاوز الوعود، لتبدأ من تأمين المحروقات والتدفئة لمواجهة الصقيع، وصولاً إلى ضبط الأسواق وحماية المنتج من تغوّل الوسطاء.
وتختم فياض حديثها عن الزراعات المحمية بأنها قصة عشق ممزوجة بالألم، بين إنسان الساحل وأرضه ، قصة تنتهي دائماً بعبارة واحدة يرددها المزارعون عقب كل كارثة: “سنتجاوزها ونزرع من جديد”.

Leave a Comment
آخر الأخبار