الحرية – وديع فايز الشماس:
في مرحلة تتزايد فيها التحديات الاقتصادية وتتسارع الضغوط المعيشية، تبرز الزراعة في سوريا كأحد أكثر القطاعات قدرة على الثبات وتقديم حلول واقعية، فمع ارتفاع تكاليف الاستيراد، وتقلّص الموارد النقدية، وتذبذب الإمدادات الخارجية، تعود الأرض لتؤدي دورها الطبيعي كخيار وطني يعيد التوازن إلى معادلة الغذاء والاقتصاد، ويمنح البلاد مساحة أوسع من الاستقلالية الإنتاجية.
لقد تجاوزت الزراعة دورها التقليدي، لتتحول إلى ركيزة استراتيجية تمس الأمن الغذائي، والاستقرار الاجتماعي، وقوة العملة الوطنية، ومن هنا يبرز سؤال جوهري في صلب السياسات الاقتصادية، هل يبدأ دعم الزراعة بتخفيض كلفة مدخلات الإنتاج، أم من ضمان قيمة عادلة لمخرجاته؟
وكيف يمكن تحويل الإنتاج الزراعي إلى مسار مستدام للنمو، لا مجرد وسيلة لتخفيف الأزمات؟
قطاع زراعي ثابت في بيئة اقتصادية متغيرة
رغم التحديات، بقيت الزراعة القطاع الأكثر مرونة، مستندة إلى موارد محلية وقدرة على تلبية الطلب الداخلي، وتتجلى أهميتها في ثلاثة مسارات رئيسية الأول: الأمن الغذائي وتقليص فجوة الاستيراد، وتوسيع إنتاج القمح والخضار والزيوت والأعلاف يخفّض الضغط على القطع الأجنبي، ويضمن توفر الغذاء بأسعار أكثر استقرارًا.
المسار الثاني خلق فرص العمل وتعزيز الاستقرار الاجتماعي كون الزراعة تعد المشغّل الأكبر في الأرياف، وتلعب دورًا حاسمًا في الحد من الهجرة الداخلية والحفاظ على البنية الاجتماعية.
أما المسار الثالث فهو دعم العملة الوطنية وضبط الأسواق فكل زيادة في الإنتاج المحلي تعني طلبًا أقل على العملات الأجنبية، ما ينعكس استقرارًا نسبيًا في سعر الصرف ويحد من التضخم.
آليات الدعم… بين مدخلات الإنتاج ومخرجاته
يدور النقاش الاقتصادي حول مسارين رئيسيين الأول: دعم مدخلات الإنتاج
البذار – الأسمدة – الوقود – الكهرباء.
الإيجابيات: تخفيف العبء عن الفلاح وتمكينه من بدء الموسم.
السلبيات: احتمالات الهدر، ضعف الرقابة، وعدم ضمان إنتاج فعلي.
والمسار الثاني دعم مخرجات الإنتاج وشراء المحاصيل بأسعار عادلة ومجزية.
الإيجابيات: ربط الدعم بالإنتاج الحقيقي، تحسين الجودة، وتحفيز التوسع الزراعي.
ويُعد هذا النموذج الأكثر كفاءة من حيث الأثر الاقتصادي المباشر.
المحاصيل الاستراتيجية… العمود الفقري للتكامل الزراعي الصناعي
لا يمكن للزراعة أن تؤدي دورها التنموي دون ارتباط وثيق بالصناعة، وتبرز هنا محاصيل ذات أثر مركّب:
– القطن: ركيزة الصناعات النسيجية وقيمة مضافة عالية.
– الشوندر السكري: مدخل رئيسي لصناعة السكر والأعلاف.
– النباتات الطبية والعطرية: جدوى تصديرية مرتفعة.
– الزيتون والبندورة والفاكهة: قاعدة للصناعات الغذائية وتقليل الفاقد الزراعي.
الزراعة منظومة اقتصادية تمتص الصدمات
يشير الخبير الاقتصادي مروان زغيب إلى أن «الزراعة ليست قطاعًا إنتاجيًا فحسب، بل منظومة اقتصادية قادرة على امتصاص الصدمات وإعادة تشكيل توازن الاقتصاد الوطني». ويرى أن دعم الفلاح يجب أن ينتقل من منطق الإعانة إلى منطق الاستثمار، عبر ربط الدعم بسلاسل القيمة وضمان تسويق مستقر للمحاصيل، ويؤكد أن كل ليرة تُضخ في الزراعة تعود بأضعافها عبر تخفيض فاتورة الاستيراد وتحسين الميزان التجاري وتعزيز استقرار سعر الصرف.
أدوات عملية لتعزيز القطاع الزراعي
– الزراعة التعاقدية: ضمان السعر والتسويق قبل بدء الموسم.
– الطاقة الشمسية للري: خفض الكلفة وتأمين استقرار الإنتاج.
– الرقمنة الزراعية: توثيق الأراضي والمحاصيل لضمان عدالة الدعم.
– تطوير سلاسل القيمة: ربط الحقول بالتصنيع ثم بالأسواق المحلية والتصديرية.
ومن هنا نرى أن الزراعة في سوريا ليست قطاعًا إسعافيًا مؤقتًا، بل قاعدة إنتاجية قادرة على قيادة مسار التعافي الاقتصادي والاجتماعي، وعندما تُبنى السياسات على الإنتاج الحقيقي، ويُعاد الاعتبار للفلاح، وتُربط الأرض بالصناعة، تتحول الزراعة إلى قوة دافعة تعيد للبلاد أمنها الغذائي واستقرارها الاجتماعي وقوتها الاقتصادية.
إنها ليست رهانًا على موسم… بل رهان على مستقبل وطن.