الحرية – مها سلطان:
لا تخرج العلاقات السورية- العراقية من دائرة التركيز الشديد، ليغدو كل حدث أو تطور متعلق بها، محل اهتمام وترقب لما قد يقود إليه، وبما يتجاوز البلدين نحو الإقليم الذي يتأثر بكل ما يجري بينهما، وداخلهما.
لا شك أن هذه العلاقات شهدت خطوات تقارب متسارعة في الآونة الأخيرة، خصوصاً بين 11 و13 آب الجاري مع زيارة وزير الطاقة محمد البشير إلى العراق والمباحثات التي أجراها مع وزير النفط العراقي حيان عبد الغني السواد، ولقائه رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني. صحيح أن الزيارة ركزت بشكل رئيسي على إعادة تأهيل خط نفط كركوك- بانياس، إلا أنها اُعتبرت مؤشراً على انفتاح سوري محسوب على العراق وفق خطوات مدروسة تأخذ بالاعتبار جميع النقاط التي يمكن أن تعرقل التقارب، وفي الوقت نفسه النقاط التي تُيسّره، والعمل على المستويين باتجاه أفضل تنسيق وتعاون.
وكان ضمن المباحثات أيضاً مشاريع الربط الطاقي، وإعادة تفعيل خطوط التجارة عبر الحدود، إضافة إلى تسهيل عودة المستثمرين العراقيين إلى السوق السورية، وهو ما يعكس اهتماماً متبادلاً في توسيع التعاون الاقتصادي بما يخدم مصالح الشعبين.
من هنا فإن زيارة رئيس جهاز المخابرات الوطني العراقي حميد الشطري إلى دمشق الخميس الماضي، ولقائه الرئيس أحمد الشرع وتسليمه رسالة خطية من السوداني .. تعد حدثاً بالغ الأهمية في روزنامة العلاقات الثنائية، تعكس تحولات أعمق في مقاربة دمشق وبغداد للتهديدات المشتركة من جهة، وللتحديات الإقليمية من جهة أخرى.
في ترتيب الزيارات، هذه الزيارة هي الثالثة للشطري إلى سوريا، وتالياً هو اللقاء الثالث له مع الرئيس الشرع، والذي يكتسب أهمية استراتيجية كبيرة وتأثيرات متعددة الأبعاد إذا ما أخذنا الزيارة واللقاء بالتوقيت الحساس في المنطقة والذي ينعكس حكماً على البلدين ويضعهما أمام حتمية التنسيق والتعاون على المستويات الأمنية والسياسية، وحتى الإنسانية (الشطري زار مبنى السفارة العراقية في دمشق والتقى القائم بالأعمال واستمع منه إلى المشاكل التي تواجه أبناء الجالية العراقية وسبل معالجتها)، رغم أن الملف الأمني كان هو المتصدر، كما في الزيارتين السابقتين في شهري نيسان وكانون الأول الماضيين.
والسؤال: هل ستقود هذه الزيارات واللقاءات المتكررة إلى آلية عمل منظمة تبنى على أساسها علاقات أكثر جدوى لما فيه مصلحة البلدين؟.. هل تتحول إلى منظومة أمنية فعّالة تحقق الاستقرار الداخلي والبيني، أم إن الاعتبارات الأخرى (والعوامل الخارجية) ستبقيها رهينة لتقلبات الإقليم، ولا يخفى هنا العامل الإيراني، ومحاولاته المستمرة للعب على دول المنطقة وتوتراتها.
في التقارير المتداولة يُقال إن الشطري حمل للرئيس الشرع «رسالة مستعجلة» من رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، وربما هذا ما جعلها زيارة فارقة تحظى بالتركيز والترقب، ورغم أن معرفة مضمونها تحتاج إلى وقت، أو إلى ما ستكشفه تطورات الأيام المقبلة على مستوى التعاون (وحتى من دون أن تكون هناك رسالة مستعجلة) فإن هذه الزيارة مهمة وهي مؤشر على قرار عراقي بالانتقال نحو تسريع/استعجال خطوات التقارب مع سوريا، والإلحاح في وضعها موضع التنفيذ. ويُشكل الشطري هنا «حلقة الوصل» الأساسية، لعرض وبحث الملفات الأكثر حساسية وتعقيداً، خصوصاً الحدود التي تمتد لأكثر من 600 كلم، ومكافحة الإرهاب، وشبكات التهريب. وقد لا يمضي وقت طويل حتى يعود إلى سوريا بزيارة رابعة، أو قد تشهد الأيام المقبلة تحولاً فارقاً على مستوى الزيارات المتبادلة.
بالمقابل، فإن الملف الأمني الذي يتصدر دائماً لا يمكن التعاطي معه كحالة منعزلة عن الملفات السياسية والاقتصادية. وكان الرئيس الشرع ثمن مواقف السوداني، وأثنى على توجهه الاقتصادي واهتمامه بقضايا التنمية ورفع المعاناة عن الشعب العراقي، وقال خلال استقباله وفد إعلاميين عرب، الأسبوع الماضي: «إن الشعبين السوري والعراقي يمثلان حالة متقاربة فرقت بينهم في الماضي القيادات السياسية ويمكن للبلدين الاستفادة من المشاريع الاقتصادية المشتركة».
في لقاء الرئيس الشرع والشطري كان الملف الاقتصادي حاضراً بصورة أكبر وأعمق عما كان عليه في الزيارتين السابقتين، وهو ما جاء البيانات الصادرة عن الجانبين.
وكان القائم بالأعمال المؤقت في سفارة جمهورية العراق بدمشق، ياسين شريف الحجيمي، قال يوم الأربعاء الماضي في تصريحات إعلامية: الأيام القليلة المقبلة ستشهد افتتاح منفذ الوليد الحدودي العراقي مع منفذ التنف السوري، في خطوة من شأنها تعزيز الحركة التجارية، التي تشهد كثافة كبيرة وفق البيانات الرسمية.
إذا ما أخذنا هذه المسألة كمقياس فإن التعاون الاقتصادي/التجاري، يسير نحو آفاق أوسع مع مراعاة دقيقة للحساسيات السياسية القائمة (ونحن هنا نتحدث عن العراق بشكل خاص وتأثيرات العامل الإيراني) وعلى قاعدة حتمية التنسيق والتعاون الاستخباراتي.
ورغم أن الملف الأمني يتصدر إلا أن الكثير من المراقبين والمحللين الاقتصاديين يرون أن التعاون الاقتصادي بين سوريا والعراق سيكون أحد أبرز المكاسب المنتظرة من هذه الزيارات واللقاءات، وخاصة في ظل حاجة البلدين إلى منافذ تجارية مستقرة بعد سنوات من الحرب والأزمات. ولنأخذ مثالاً بارزاً يتمثل في معبر البوكمال – القائم الذي يعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية للتجارة الإقليمية، إذ يربط سوريا والعراق ويسمح بمرور البضائع نحو إيران، الخليج، وشرق المتوسط.