الحرية- ثناء عليان:
يسعى الإنسان دائماً إلى البحث عن السلام معتقداً أنه يتحقق بتغيّر الظروف أو بهدوء العالم من حوله، غير أن التجربة الإنسانية تشير إلى أن السلام الحقيقي يبدأ من الداخل، من الطريقة التي يفهم بها الإنسان ذاته ويتعامل بها مع أفكاره ومشاعره.
وبين الدكتور علي غسان يوسف المختص في الوعي البشري خلال المحاضرة التي ألقاها اليوم في ثقافي طرطوس بعنوان “السلام الداخلي حقيقة أم خيال” أن السلام ليس هروباً من الحياة، بل هو تعلّم كيفية عيشها بوعي من الداخل، فعندما يخاف الإنسان تتسارع نبضات قلبه، وعندما يغضب يتسارع تنفسه، بينما ينتظم النبض ويهدأ النفس عندما يشعر بالحب. كل هذه التغيرات تحدث في عالم الإنسان الداخلي، ولذلك فإن السلام الحقيقي لا يتحقق في الخارج بقدر ما يتشكل في الداخل.
السلام يبدأ من الداخل
ويشير يوسف إلى أن الإنسان يحمل في داخله بذور السلام منذ الطفولة، ورغم أن معظم الناس لا يتذكرون تفاصيل تلك المرحلة، إلا أنهم يتذكرون شعور الطمأنينة الذي كان يرافقهم، هذا السلام الفطري هو ما يسعى الإنسان لاستعادته لاحقاً في حياته، لكنه غالباً ما يبحث عنه في الخارج بينما مصدره الحقيقي في داخله.
ويؤكد يوسف أن الوصول إلى هذا السلام يحتاج إلى وعي وممارسة، فالإنسان يستطيع أن يعزز توازنه الداخلي من خلال أنشطة بسيطة تعيد إليه حضوره مع ذاته، كالحركة الجسدية أو التعبير عن المشاعر أو التأمل، إضافة إلى تنمية الحوار الإيجابي مع النفس والقدرة على طرح الأسئلة العميقة حول معنى السلام في الحياة.
عالم المشاعر
وبرأي يوسف فإن كل المشاعر التي يعيشها الإنسان هي مشاعر داخلية خاصة به، حتى لو كانت محفزاتها خارجية، فالمواقف قد تكون واحدة، لكن طريقة التفاعل معها تختلف من شخص إلى آخر، عندما يحدث موقف ما قد يشعر الإنسان بالخجل أو القلق أو الخوف، غير أن هذه المشاعر ليست قدراً حتمياً بل هي نتيجة الطريقة التي يفسر بها الحدث.
ويرى يوسف أن تكرار المشاعر السلبية يقود تدريجياً إلى حالة من التعاسة، بينما يخلق تكرار المشاعر الإيجابية شعوراً بالطمأنينة والسعادة. لذلك فإن بناء السلام الداخلي يبدأ من مراقبة المشاعر والانتباه إليها، ومحاولة فهم الرسائل التي تحملها بدلاً من الانجراف وراءها.
التحول الداخلي
ويلفت الكاتب يوسف إلى أن الإنسان قادر على تحويل طاقته النفسية من السلبية إلى الإيجابية متى امتلك الوعي الكافي بذلك، فكما يتعلم الإنسان الحسد أو الكراهية عبر التفكير المتكرر بهما، يستطيع أيضاً أن يعزز مشاعر الحب والامتنان عندما يوجّه انتباهه نحو التجارب التي تمنحه الأمان.
ويؤكد يوسف أن قبول الإنسان لذاته بكل ما فيها من نقص أو اختلاف يشكل خطوة أساسية نحو السلام الحقيقي، لأن المقارنة المستمرة مع الآخرين تضعف الشعور بالرضا الداخلي وتغذي القلق وعدم الأمان.
الشجاعة من القلب
وأشار يوسف إلى كتابه (جرّاح دون مشرط)، حيث يعالج فيه العلاقة بين العقل والقلب عند مواجهة التحديات، مبيناً أن العقل يميل أحياناً إلى الهروب والتأجيل بسبب الخوف من الفشل، بينما يمتلك القلب القدرة على المواجهة والعمل بثقة.
ولفت إلى أن العقل يلجأ دوماً للهروب، بينما القلب يواجه العقل يخاف من المسؤوليات ويؤجلها، بينما القلب ينجز جميع المهام الآن دون حاجة للهروب أو التأجيل.”
ويشير يوسف إلى أن الشجاعة ارتبطت بالقلب حتى في اللغة، فالكلمة الأجنبية “Courage” مشتقة من الجذر اللاتيني “Cor” الذي يعني القلب، في إشارة إلى أن الشجاعة تنبع من العمق الإنساني لا من الحسابات العقلية وحدها.
تحرير المشاعر
وفي كتابه (لا يوجد أحد سواك) بيّن يوسف طريقة رمزية للتعامل مع المشاعر المزعجة، إذ تقوم الفكرة على كتابة أحداث اليوم والمشاعر المرتبطة بها، خصوصاً تلك التي تسببت بالضيق أو القلق، ثم ترك هذه الكلمات تتحول إلى رماد بعد حرق الورقة.
يرى يوسف أن هذه التجربة لا تتعلق بالكتابة بحد ذاتها بقدر ما تتعلق بالوعي بالمشاعر والتخلص من ثقلها النفسي.
تأثير الكلمات
وتوقف يوسف عند تأثير الكلمات في الحالة النفسية للإنسان، فالكلمة التي تُقال بدافع الخوف أو الشفقة قد تعزز الشعور بالضعف، بينما يمكن للكلمة الإيجابية أن تمنح الإنسان طاقة جديدة، وبرأيه أن الكلمات ليست مجرد تعبيرات لغوية، بل طاقة نفسية تؤثر في إدراك الإنسان لذاته وقدرته على مواجهة المرض أو التحديات.
ويختم د. يوسف بالتأكيد على أن السلام الداخلي ليس حالة طارئة تأتي مصادفة، بل مهارة يكتسبها الإنسان عبر الوعي المستمر بنفسه وبمشاعره.
السلام الداخلي لا يتحقق بتغيير العالم الخارجي فقط، بل يبدأ عندما يتعلم الإنسان فهم ذاته، والتعامل مع أفكاره ومشاعره بوعي وثقة.
السلام الداخلي ليس هدية تأتيك بل مهارة تتعلمها وتعيشها.