الشاعرة العراقية إنعام جميل الحمداني .. يولد الشعر حين تصبح القصيدة بحثاً عن المعنى

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – هويدا محمد مصطفى:

الشعر ثورة الكلمة المضيئة عبر تشكيلها بصور حية ونابضة للذات، فكيف إذا كان لشاعرة تتألق حروفها بموجات من التدفق الشعوري؟ وهي تلك الأنثى التي تمتلك أدوات شعرية ترسم الصورة بلغة خاصة. الشاعرة إنعام الحمداني تجعل قصيدة النثر عالمها الذي تبحر من خلاله لعوالم الوجود بكل تجلياته، ومكامن العبور إلى ما لا نهاية. تناولت في شعرها قضايا عديدة، ولها بصمتها في تناول الأدب النسوي العراقي من خلال كتاب مشترك مع الناقد عبد العزيز الناصر في الشعر النسوي العراقي (قصيدة النثر أنموذجاً). وعملت في العديد من المجلات الإلكترونية، ولها الكثير من المشاركات الأدبية والمنشورات بصحف ومجلات محلية وعربية. وصدر لها ثلاثة منجزات شعرية: “مواقد ذاكرة مقيمة”، “منافي الرماد”، “لهفة لا تعرف السكون”.

“الحرية” التقت الشاعرة العراقية إنعام الحمداني، وكان هذا الحوار:

*_هل الشعر موهبة أم عوالم وجودية من خلالها وجدت نفسك؟

– الموهبة هي الشرارة الأولى: حساسية خاصة تجاه الكلمات، إيقاع داخلي، قدرة على التقاط ما لا يُقال. لكن هذه الشرارة وحدها لا تصنع شاعرًا. أما العوالم الوجودية، فهي النار التي تُبقي الشعر حيًا. كثيرون لم يكتبوا الشعر لأنهم أرادوا ذلك، بل لأنهم احتاجوا إليه: ليفسّروا ألمًا، أو دهشة، أو وحدة، أو سؤالًا عن الذات والعالم. ومن خلال الكتابة، لم يكتشفوا القصيدة فقط، بل اكتشفوا أنفسهم. لهذا يمكن القول: بعض الناس يملكون موهبة الشعر، لكن الشعر الحقيقي يولد عندما تتحول القصيدة إلى مساحة للبحث عن المعنى، وعندما تصبح الكلمات طريقة للوجود لا للزينة. فالشعر ليس ما نكتبه فقط.

*_ تكتبين قصيدة النثر، إلى أي مدى تبحرين من خلالها، وما الذي يميزها عن الهايكو؟

– قصيدة النثر: أبحر من خلالها إلى أقصى ما تسمح به الحرية. لا شاطئ محددًا لها، ولا وزن يقودني، بل يقودني الإحساس والفكرة والصورة. هي مساحة للغوص في الداخل: في الذاكرة، في السؤال، في الهشاشة، وفي التفاصيل التي لا يحتملها الإيقاع الصارم. أستطيع أن أتنفّس فيها على مهل، أن أمدّ الفكرة، أن أترك الجملة تتعثّر أو تفيض، لأن جمالها في صدقها لا في انتظامها. أما ما يميزها عن الهايكو، فالفارق جوهري رغم اشتراكهما في التكثيف: قصيدة النثر بحر أسبح فيه، والهايكو قطرة تعكس السماء كاملة. كلٌّ منهما طريق مختلف، لكنهما يلتقيان في شيء واحد: الانتباه العميق للحظة والإنسان.

*_ هل تعتبرين أن الشعر النسوي يأخذ مكانته؟ وهل برأيك الأدب النسوي يختلف عن الأدب الذكوري، رغم جدلية الآراء حول هذا الموضوع؟

– نعم، أعتقد أن الشعر النسوي اليوم يأخذ مكانته تدريجيًا، ليس بوصفه هامشًا أو ردّ فعل، بل كصوتٍ إبداعيٍّ مستقلّ يفرض حضوره بجودته وجرأته وصدقه. لم يعد مجرد “بوح أنثوي”، بل أصبح مساحة فكرية وجمالية تعيد طرح الأسئلة الكبرى: الجسد، الهوية، السلطة، اللغة، والوجود، من زاوية كانت مهمّشة طويلًا. أما عن الاختلاف بين الأدب النسوي والأدب الذكوري، فالقضية ليست تفاضلًا ولا صراعًا، بل اختلاف تجربة. الأدب النسوي مختلف في المنطلق، لكنه إنساني في الجوهر. وقيمته لا تأتي من كونه نسويًا، بل من كونه صادقًا، عميقًا، وقادرًا على مساءلة العالم. التنوع لا يهدد الأدب، بل ينقذه من الصوت الواحد.

*_ كيف تجدين واقع الأدب بشكل عام، والعراق بشكل خاص؟

– الأدب يمرّ بحالة حراك واضحة رغم التحديات، وفي العراق ما زال نابضًا ومتجددًا، يعكس الأزمات بجرأة، لكنه يحتاج دعمًا أوسع ليصل إلى مكانته التي يستحقها.

*_ هل الشاعر يوقد ذاكرته بأحداث الماضي، كما نجد في عنوان مجموعتك “مواقد ذاكرة مقيمة”؟

– نعم، فالماضي يشكّل وقود الذاكرة الشعرية، ومنه تتوهّج التجربة، وتتحول الأحداث إلى صور ودلالات حاضرة في النص.

*_ماذا قدّم لك النقد؟ وهل برأيك النقد ضروري للشاعر أو الأديب؟

– قدّم لي النقد وعيًا أعمق بتجربتي، وأسهم في صقلها. وهو ضروري للشاعر والأديب؛ لأنه يكشف مناطق القوة والضعف، ويدفع النص نحو النضج.

*_ما الرسالة التي تودين إيصالها من خلال أدبك؟

** – أسعى من خلال أدبي إلى ترسيخ القيم الإنسانية، وإضاءة معاناة الإنسان وأحلامه، وجعل الكلمة مساحة للصدق والحرية.

*_ ما القصيدة التي تسكنك رغم مرور الزمن؟

“رد قلبي”

رد قلبي،

فمالك به؟

بعد الآن متّسع.

رسائلك.. هداياك،

تركتها على قارعة الطريق تتسكع.

لعلّ عاشقةً

بوهم غرامك منها تتبضع.

ما عاد ذلك الشوق،

إن جنّ الليل،

يأخذني إليك تائهة تتضرع.

رد قلبي…

مجنونة أغويتها بمعسول الكلام،

وتركتها علقمًا تتجرع.

Leave a Comment
آخر الأخبار