الحرية ـ علي الرّاعي:
” ليلٌ آخرُ يمضي؛
البيتُ فارغٌ
إلا منّي،
أنا والشتاء والقمر ُ المولود ُ
الآن..
لا أحدَ هنا
لا أحدَ هناك..”
تقدّم هذه المختارات الشعرية للشاعر إسماعيل مرهج من مجموعتيه: “وجه ماريّا” و”تحترق الخطى”؛ عالماً لغوياً مكثفاً، مشبعاً بالوحدة والذاكرة والمكان، حيث يتقاطع الذاتي بالجمعي، واليومي بالوجودي، في كتابةٍ لا تسعى إلى الإدهاش البلاغي بقدر ما تراهن على الصدق الداخلي، وعلى تحويل الصمت إلى طاقةٍ دلالية فاعلة.. هذه نصوص التي من أولى ملامحها: إنها تُقرأ ببطء، لأنها لا تُفصح دفعةً واحدة، بل تتكشف كما تتكشف المدن المتعبة تحت المطر: طبقةً بعد طبقة.
” فقطْ
أصداءُ جرسٍ منسيٍ بيننا،
يقرعُ نفسَهُ بنفسهِ..”
يفتتح الشاعرُ نصوصه من موقع الوحدة: “البيت فارغٌ / إلا مني”.. هذه الجملة البسيطة ظاهرياً تؤسس لمناخٍ كامل: الذات بوصفها الامتلاء الوحيد في فراغ العالم، غير أن هذه الذات ليست متماسكة؛ إنها منقسمة، قَلِقة، تراقب نفسها وهي تعيش.. ويتكرر ثيم الانشطار الداخلي في أكثر من موضع: “النوم الذي لا يستقيم، الليل الذي يتجه نحوه الشاعر ويضطر لتغيير “وجهته”، والصوت الذي يقرع نفسه بنفسه”.. نحن إذاً أمام ذاتٍ مأزومة لا تبحث عن خلاص نهائي، بل عن صيغة احتمالٍ للبقاء.
” كلّما
جذبني النومُ؛
أيقنت ُ أنّ عليّ
أنْ أُغيّر وجهة َ نومي.”
تأتي بلاغة إسماعيل مرهج هادئة وبالكثير من مجاز الصمت.. فهي ليست صاخبة ولا استعارية بالمعنى التقليدي؛ إنّها بلاغة الاقتصاد والتلميح.. والمجاز عنده لا يتضخم، بل يأتي مشدوداً إلى اليومي:”أصداء جرسٍ منسيٍّ بيننا / يقرع نفسه بنفسه”.. هنا، الجرس ليس أداة صوت، بل استعارة للعلاقة المنقطعة، للنداء الذي فقد مستقبِله.. واللافت أنّ الفعل يتم بلا فاعل خارجي: الجرس يقرع ذاته، كما لو أن اللغة لم تعد تجد من ينصت لها.. هذه البلاغة الصامتة تتكرر في صور مثل: “فصاحة الصمت، نشيج الجراح، المدينة تئن تحت وطأة السكون،” حيث يتحول الصمت من غياب للكلام إلى كثافة دلالية.
” تشكو الشوارع ثقل الخطوات؛
أصوات ُ باعة الخضار عالقة ٌ
بين الحناجر والأجفان،
وأمنية ُ المتسولين كسرة خبز ٍ
لعشاء ليلة ٍ باردة..”
كما يتجلى المكان في نص مرهج بوصفه ذاكرة جريحة؛ فـ :”جبلة، شارع ابن سينا، البحر، المرفأ، ثانوية محمد سعيد..” ليست مجرد أمكنة جغرافية، بل حاويات للزمن المكسور.. يكتب الشاعر المكان في النص، وهو يرى تحوّله من فضاءٍ للحياة إلى شاهدٍ على الخسارة: “اختفت منه رائحة الخبز الطازج”.. والخبز هنا ليس مادة غذائية فقط، بل رمز للأمان الاجتماعي، للبساطة المفقودة.. ويبلغ هذا التوتر ذروته في مشاهد “قاع الشارع”، حيث تتجاور أصوات باعة الخضار مع أمنيات المتسولين، ويتحول العالم إلى “حذاءٍ مهترئ أثقله وحل المجاعة”.. إنها صورة قاسية، وجماليتها أنها تأتي غير خطابية، بل تُقال ببرودٍ مؤلم، وهو ما يمنحها قوتها.
” كنْ شبابةً على مقاس الريح؛
توزع ُ نغماتِها
فوق َ كلِّ الألواح..
كنْ قصيدة ً تردد ُ نشيجَ التلال،
وموسيقا المطر..”
يُقدّم الشاعر مرهج الشعر بوصفه وظيفة أخلاقية؛ كما في نص “أيام الزمن الصعب”، حيث يتقدم خطوة إضافية نحو تعريف دور الشعر: “كن شبابةً على مقاس الريح، كن قصيدةً تردد نشيج التلال”.. هنا يتحول الشعر من ممارسة جمالية إلى موقف أخلاقي: أن تكون صوتاً لا يملك سوى نغمته، لكنه يوزعها على “كلِّ الألواح”.. هذه الرؤية تضع إسماعيل مرهج ضمن تقليد شعري سوري يرى في القصيدة شكلاً من أشكال المقاومة الهادئة، لا الشعاراتية.
” كلمّا أتيت ُ هذا المكان؛
يرافقني الضجر..
فأحكي للظلام حكاياتٍ بيضاء،
وفي الصباح أنزع ُ قلقي،
وأغسل ُ وجه َ هِمتي
وأمضي
فوقي ظلالُ غيوم..”
وأما بنية القصيدة فمن ملامحها أيضاً؛ تعدّد المقاطع، إذ تعتمد النصوص بنية المقاطع المفتوحة، المرقّمة أحياناً، كما في “رواية هاربة”.. وهذا التقطيع لا يخدم الشكل فقط، بل يعكس رؤية الشاعر للعالم: عالمٌ غير مكتمل، لا يمكن سرده في دفقةٍ واحدة. وكلُّ مقطعٍ هو محاولة، اقتراب، وربما فشل جزئي، ثم إعادة كتابة.
” كي أنشد َ أغنيتي،
كي أترع َ كؤوس الصمت
المعبّد بالأسرار والأحجيات؛
عليَّ غَسل ُ وجهي َ النائم،
كلّما انحدر َالليل إلى جهتي..”
في نص “رواية هاربة”، يتقاطعُ الشعرُ مع السرد، دون أن يفقد لغته الشعرية.. هنا يُعلن الشاعر عن حاجته إلى كتابة فصلٍ واحد على الأقل، لا لإنجاز الرواية، بل لتبرير الاستمرار.. الكتابة هنا فعل بقاء، لا مشروع اكتمال.
ومن ملامح القصيدة عند مرهج؛ أنّ السيرة تأتي بوصفها خلفية لا مركزاً، والمقطع السيري في نهاية النصوص لا يأتي بوصفه اعترافاً، بل بوصفه خلفية تفسيرية للنبرة الشعرية: الفقر، فقدان الأم، التنقل بين القرى، العمل في التعليم.. كلُّ ذلك لا يُستثمر عاطفياً داخل القصيدة، لكنه يفسر اقتصاد اللغة، وانحيازها للبساطة، وابتعادها عن التزيين.. هنا الشاعر لا يكتب سيرته، بل يكتب أثرها: الحساسية تجاه الجوع، الخسارة، التعليم، والهامش.
“كي أخلع َ
عباءة َ الحلم الذي لا يورق،
كي أرسم َ ورقة َ تين
كَرِجلِ بطةٍ عرجاء؛
عليّ أن أزيحَ رأسي
قيد َ أنملةٍ عن حافة الوعود الخاوية..”
يكتب إسماعيل مرهح نصوصه من منطقةٍ وسطى نادرة: بين الشهادة والتأمل، بين اليومي والميتافيزيقي، بين الحزن الشخصي والحسّ الجمعي، فتظهر قصيدته لا تصرخ، لكنها لا تصالح، ولا تدّعي البطولة، وإنما ترفض الزيف.. وهي، في جوهرها، كتابةٌ تعرف أن العالم مهترئ، لكنها مازالت تحاولُ أن تجدَ له لغةً تليقُ بألمه.. باختصار إنها قصيدة لا تعدُ بالخلاص، بل تمنحُ القارئ ما هو أندر: رفقة في العتمة، وربما كان هذا أجمل الضوء..