الحرية – علي الرّاعي:
يُحكى كثيراً عن قصائد الأقدمين وأثرها في حياة الناس أقواماً وأفرداً؛ حكايات تكاد تُشبه قصص أبطال الملاحم حيناً، أو تنوس بعذوبتها كحكايا ألف ليلةٍ وليلة حيناً آخر.. ولطالما كان الشعر ليس مجرد كلام موزون، بل كان وسيلة الاتصال الجماهيري، وسجلاً تاريخياً، وسلطة رابعة، ووسيلة إعلانية فاعلة قبل أن يعرف العالم هذه المفاهيم بقرون.
شواغل ديوان العرب
لقد خلدت القصائد في الزمن القديم قبائل أو شخصيات بفضائل أو قبائح مُعينة من خلال مديحٍ أو هجاء، وربما بيتٌ من الشعر كان يكفي لدق طبول حرب قد تستمر عقوداً طويلة، أو إبرام صلح ينهي دماءً سالت لسنين.. غير أن أطرف وأكثر الأدوار واقعية للشعر، هو ذلك الدور الذي لعبته القصيدة كوسيلة ترويج وإعلانات اقتصادية واجتماعية في زمن كان الشعر “ديوان العرب”.. بل إن الكثيرين من المؤرخين يرون أن الشعر كان الأسبق ليكون أول حاملٍ للإعلان التجاري المنظم في التاريخ العربي، بل والعالمي ربما.
عن الصوت الأعلى
هذه الوظيفة – وكما تروي المدونة الشعرية العربية – لم تكن منفصلة عن طبيعة المجتمع العربي القديم.. ففي صحراء شاسعة، ومجتمعات قبلية مبعثرة، كان الشاعر هو الصوت الذي يقطع المسافات، يحملُ الأخبار، ويشكّل الآراء، ويصنع السمعات.. كان الشعر هو “التلفزيون” و”الإذاعة” و”الصحيفة” و”السوشيال ميديا” في آنٍ واحد، لم تكن قوة الإعلان تكمن فقط في بلاغة القصيدة، بل في كونها الوكالة الإعلامية شبه الوحيدة والفاعلة، وكان الشاعر النجم المؤثر، وكلمته هي “التريند” الذي لا يُرد.
عن الأعشى
ومما يُحكى بشيءٍ من التفصيل الدال عن (الأعشى)، الذي عُرف ب”صناجة العرب” لجودة غنائه لشعره، كما صُنف في الطبقات الأولى لشعراء الجاهلية؛ أنه في أحد أسفاره الطويلة بحثاً عن الكسب والمدح، سمعت بقدومه امرأةٌ ذكية، لديها ست بنات عازبات لم يطرق بابهن أحد لشدة فقرهنّ وبساطة حالهن، فأقنعت زوجها، الذي كان متبرماً ومتردداً بسبب فقره، باستضافته رغم ثقل هذه الضيافة على ميزانيته المعدومة.. انتظره الرجل في الطريق ودعاه ليحل ضيفاً عنده، وقام بحلب شاته الوحيدة وذبحها فأطعمه وسقاه لثلاثة أيامٍ كاملة، في بادرة كرم نادرة في ظروف كهذه.. وكانت مكافأة هذا الكرم، رغم هول واقع الحال، قصيدة من الأعشى لم تكن مجرد شكر، بل كانت حملة إعلانية متكاملة، جعلت شباب القبيلة يتدافعون أمام خيمة الرجل لخطبة بناته، حيث صور القصيدة كأنها إعلان عن “منتج” ثمين مخفي. يقول مطلعها:
“وَدِّعْ هُرَيْرَةَ إِنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ
وَهَلْ تُطِيقُ وَدَاعاً أَيُّهَا الرَّجُلُ
غَرَّاءُ فَرْعَاءُ مَصْقُولٌ عَوَارِضُهَا
تَمْشِي الهُوَيْنَى كَمَا يَمْشِي الوَجِي الوَحْلُ”
لقد حولت كلمات الأعشى البنات من عبءٍ إلى كنز، من خلال تصويرهن بصفات الجمال والوقار التي تثير الإعجاب.. هذه القصيدة هي نموذج صريح لما نسميه اليوم “التسويق بالتبعية” أو “الترويج بواسطة المشاهير”.. فالشاعر، ببلاغته العالية، لم يبع منتجاً مادياً فحسب، بل باع صورةً، وحلماً، ومركزاً اجتماعياً.
عن ربيعة بن عامر
أما أشهر القصائد إعلاناً تجارياً على الإطلاق؛ فكانت قصيدة ربيعة بن عامر الملقب بالدرامي، التي قالها لترويج تجارة خُمر (جمع خمار) لتاجرٍ عراقي كان يبيعها لنساء بغداد.. القصة، كما تُروى، أن التاجر كان لديه كميات من الخمر السوداء لم تنفد مثل باقي الألوان، فاشتكى كسادها للدرامي، الذي كان قد اعتزل الشعر وتنسك ولزم المسجد.. وبعد مساوماتٍ وإلحاح من التاجر، وربما لحاجة في نفس الدرامي، وافق على المساعدة ولكن بشرط: أن يأتي بمغني يُلقي الشعر بدلاً منه، حفاظاً على مظهره المتنسك، وهكذا، انطلقت الأبيات تغني:
“قُلْ لِلْمَلِيحَةِ فِي الخِمَارِ الأَسْودِ
مَاذَا فَعَلْتِ بِنَاسِكٍ مُتَعَبِّدِ
قَدْ كَانَ شَمَّرَ لِلصَّلاةِ ثِيَابَهُ
حَتَّى خَطَرْتِ لَهُ بِبَابِ المَسْجِدِ
رُدِّي عَلَيْهِ صَلاتَهُ وَصِيَامَهُ
لا تَقْتُلِيهِ بِحَقِّ دِينِ مُحَمَّدِ”
هنا، نرى براعة تسويقية فائقة.. فبدلاً من الترويج المباشر للمنتج، استخدم الشاعر قصة درامية، بلاغية، متكئة على قيم دينية واجتماعية.. لقد قُدّم الخمار الأسود ليس كقطعة قماش، بل كسلاح غواية مؤثر، قادر على تشتيت حتى أتقى الرجال.. والنتيجة كانت مذهلة: تحوّل الخمار الأسود بين عشيةٍ وضحاها إلى موضة نساء بغداد، وتم بيع الكميات كلها.. الطريف أن هذه القصيدة لاتزال تُغنى حتى اليوم، لكن لترويج أمور أخرى غير الخمر السود، وهو دليل على قوة البنية الشعرية والإيحائية التي تجاوزت الغرض المباشر لتصبح تراثاً قابلاً لإعادة الاستخدام في سياقات مختلفة.
عن حامل الشعر
وهنا أتصوّر أن ما يُظن أنه قوة الترويج والدعاية التي كان حاملها الشعر، لم يكن فقط لأهمية القول الشعري بحد ذاته، رغم بلاغته، بل لأنه كان أشبه بوكالة الأنباء شبه الوحيدة عند العرب.. فقد كان النظام الإعلامي الشامل في زمان لا صحف مطبوعة، ولا محطات بث، ولا منصات رقمية؛ كان الشاعر هو الناقل، والمحلل، والمعلق، والمعلن.. وكانت القصيدة هي الوسيلة التي تخترق القبائل وتنتشر في الأسواق مثل “سوق عكاظ” الذي كان أشبه بمعرض دولي للإبداع والتجارة والعلاقات العامة.
كما كان الشعر يُروج للأفكار والقيم والأفراد.. فقصيدة المديح كانت تروّج لصورة الحاكم أو ذمّه، وثمة الكثير من القصص والحكايات عن ظاهرة “شعراء البلاط”، ما يضمن للحاكم ولاء القبائل ويدعم شرعيته.. فيما قصيدة الهجاء كانت تروّج لصورة سلبية للخصم، قد تؤدي إلى عزلته اجتماعياً وسقوطه سياسياً. حتى قصائد الفخر كانت تروّج “للماركة الشخصية” أو “الهوية القبلية”، ما يعزز مكانتها بين القبائل الأخرى.
عن ديوان العرب
في النهاية، تقدم لنا هذه النماذج إجابة عن سؤال جوهري: كيف كانت الثقافة تدير شؤون الحياة اليومية؟ لقد كان الشعر هو التقنية التي استخدمها العرب لإدارة اقتصادهم الصغير، وسمعتهم الاجتماعية، وحتى علاقاتهم السياسية.
إن النظر إلى القصيدة بهذا المنظور العملي لا ينتقص من قيمتها الجمالية، بل يثريها ويربطها بحياة الناس بشكلٍ أعمق، فقد كانت القصيدة “تفصيلاً يومياً” لا غنى عنه في نسيج الحياة العربية القديمة، تنسج من الكلمات حللاً للجمال، وأسلحة للصراع، ووسائل للكسب، وروابط للجماعة.. وهي صفة تكشف عن براعة عربية قديمة في توظيف الإبداع لخدمة الحياة، وفي اندماجٍ نادر لم يحدث بين الجمالي والعملي.