الحرية – حسين الإبراهيم:
- كيف يعيد المؤثرون وصناع المحتوى بناء ثقتنا المفقودة؟
- لماذا تخلت شريحة واسعة من الجمهور عن الإعلام التقليدي؟
- ما هي البدائل التي يلجأ إليها الناس للحصول على أخبارهم اليوم؟
- أين تكمن بوصلة الحقيقة في عالم يزخر بالروايات المتنافسة؟
مع اقتراب صدور تقرير رويترز للصحافة الرقمية لعام 2026، تتصاعد التساؤلات حول العلاقة المعقدة بين الجمهور ووسائل الإعلام. فالأرقام، التي غالبًا ما يكشفها التقرير، تشير بوضوح إلى استمرار تراجع مستويات الثقة في المؤسسات الإخبارية التقليدية. لكن، لماذا هذا التآكل المستمر في الثقة؟
تتعدد الأسباب، لكن تقرير رويترز، استنادًا إلى ما سبق من اتجاهات، يسلط الضوء على عوامل رئيسية. في مقدمتها الاستقطاب السياسي وإدراك التحيز؛ إذ ينظر كثيرون اليوم إلى وسائل الإعلام من خلال عدسة انتماءاتهم السياسية. وهكذا أصبحت كلمة “التحيز” ذريعة جاهزة يستخدمها الجمهور لتفسير عدم الثقة، حتى في غياب دليل واضح.
وكما قال هنري لوس، مؤسس مجلة “تايم”: “المفتاح للنجاح في هذا العصر هو في معرفة ما يقوله الناس، وليس فقط ما تقوله الصحافة”. غير إن هذه العلاقة المتبادلة بين الصحافة والجمهور أصبحت مثقلة بالشك، حتى بات كثيرون يشعرون بأن الإعلام يقول ما يريده الناس، لا ما ينبغي قوله.
يضاف إلى ذلك سباق “النقرات” الذي أضعف العمق لصالح السرعة. فقد دفعت نماذج الأعمال الرقمية، القائمة على الزيارات والمشاهدات، كثيرًا من المؤسسات الإخبارية إلى تبني محتوى أكثر إثارة، وعناوين أكثر جاذبية، وقصص أقصر. وبهذا تراجعت المساحة المخصصة للتأمل والتحليل، لصالح الاستهلاك السريع. وكأن الصحافة، في بعض تجلياتها، باتت تُطالب بأن تكون خفيفة أكثر مما ينبغي أن تكون عميقة.
أما المعلومات المضللة، فقد تحولت من تحدٍّ تقليدي إلى ظاهرة أكثر تعقيدًا واتساعًا. فالأخبار الكاذبة تنتشر اليوم بسرعة البرق عبر خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف مهمة شاقة على الجمهور العادي. والنتيجة أن الشك لم يعد يطول المصادر المضللة وحدها، بل انسحب أيضًا على المصادر التقليدية، بما فيها الأكثر رسوخًا.
هذه العوامل مجتمعة انعكست مباشرة على عادات الاستهلاك الإخباري. وقد أظهرت دورات سابقة من تقرير رويترز أن شريحة واسعة من الجمهور باتت تشعر بالإرهاق من الأخبار، وتميل إلى تجنبها بالكامل. ومن لا يتجنب الأخبار، يبحث غالبًا عن بدائل، إما بدافع الشك، أو رغبةً في روايات تنسجم مع قناعاته المسبقة.
تقرير رويترز: الأخبار تسبب الإرهاق للجمهور فيتجنبها، أو يبحث عن أخبار تتوافق مع توجهاته
كيف تبني الجهات الجديدة جسور الثقة؟
في هذه الفجوة المتسعة في الثقة، برزت جهات فاعلة جديدة لا تنتمي بالضرورة إلى بنية الصحافة التقليدية، لكنها نجحت في ملء جزء من الفراغ. فكيف كسبت هذه الجهات ولاء الجمهور؟
يمثل المؤثرون الرقميون، والمنصات التي تقوم على المجتمعات الخاصة، نموذجًا واضحًا لهذا التحول. على تيك توك وإنستغرام ويوتيوب وتلغرام وواتساب، تبنى علاقة مباشرة وشخصية مع المتابعين. هذا القرب، إلى جانب الشفافية النسبية في التعبير عن الآراء والانتماءات، يخلق شعورًا بالألفة والثقة. وكثيرًا ما يقدّم هؤلاء أنفسهم بوصفهم أشخاصًا عاديين يبحثون عن الحقيقة ويشاركون ما يعثرون عليه، لا بوصفهم ناطقين رسميين يقرؤون نصوصًا مكتوبة مسبقًا.
كما إن هذه المصادر البديلة تقدم غالبًا محتوى شديد التخصص، أو متوافقًا مع وجهة نظر معينة. والجمهور الذي يشعر بأن الإعلام التقليدي يتجاهله أو لا يفهمه، يجد في هذه المنصات مساحة يشعر فيها بأن صوته مسموع. وهنا تتشكل ما يمكن وصفه بـ”الصحافة التوافقية”، التي تبني الثقة عبر تأكيد قناعات الجمهور المستهدف، لا عبر تحديها.
وفي كثير من الحالات، تضع هذه الجهات نفسها في موقع المعارضة أو البديل “الحقيقي” للإعلام التقليدي، الذي تتهمه بالتحيز أو بالخضوع لسلطات أعلى. وهذه الرواية المعارضة نفسها تصبح عنصرًا مهمًا في بناء الثقة لدى من فقدوا ثقتهم أصلًا في المؤسسة الإخبارية. فهي تستفيد من ثغرات المشهد الإعلامي، وتتجاوز هياكله وقواعده، وتقدّم — أو تبدو وكأنها تقدّم — قدرًا من الأصالة يفتقده الجمهور في أماكن أخرى.
تستغل هذه الجهات ثغرات في المشهد الإعلامي، متجاوزة الهياكل والقواعد التقليدية. إنهم يقدمون، أو يبدون وكأنهم يقدمون، نوعًا من “الأصالة” التي يفتقدها الجمهور في أماكن أخرى.
هل هناك سبيل لاستعادة الثقة؟
أمام هذه التحديات، هل تبذل المؤسسات الإخبارية التقليدية جهودًا لاستعادة مكانتها؟ تشير تقارير رويترز وتحليلات خبراء الإعلام إلى أن الجواب نعم، لكن النجاح لا يزال محل نقاش.
أول هذه الجهود هو الشفافية. فالمؤسسات الموثوقة تدرك أن الشفافية قد لا تكون سهلة دائمًا، لكنها تظل المفتاح الأهم. ولهذا، فإن الكشف عن مصادر التمويل، وشرح خطوات التحقق من المعلومات، والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها علنًا، كلها خطوات ضرورية لاستعادة المصداقية. وكما قال أحد المديرين التنفيذيين في مؤسسة إخبارية عالمية: “لا يمكننا إجبار الناس على الثقة بنا، لكن يمكننا أن نظهر لهم أننا نستحق هذه الثقة من خلال أفعالنا”.
ويأتي بعد ذلك الاستثمار في الصحافة الاستقصائية والتحليلية. ففي عالم يفيض بالأخبار السريعة، تزداد قيمة المحتوى الذي يكشف الحقائق المخفية أو يقدّم قراءة معمقة لما يجري. فحين تربط المؤسسة بين الأحداث وتفسر سياقاتها وتفتح الأسئلة الصعبة، فإنها تعيد التأكيد على دورها الأساسي بوصفها مصدرًا للمعرفة، لا مجرد قناة للتدفق الإخباري.
كما تحاول بعض المؤسسات الانتقال من البث الأحادي إلى الحوار المباشر مع الجمهور. جلسات الأسئلة والأجوبة مع الصحفيين، والاستطلاعات حول المواضيع التي يرغب الجمهور في متابعتها، وإنشاء قنوات مخصصة للتواصل، كلها أدوات تهدف إلى كسر الحواجز وإعادة بناء الجسور. لكن هذه الجهود تصطدم بصورة مترسخة لدى كثيرين عن “الإعلام التقليدي”، وهي صورة يتطلب تغييرها وقتًا وجهدًا مستمرين. ومع السرعة الهائلة للمنصات البديلة، تبدو المهمة أقرب إلى مقاومة تيار جارف.
“التوقعات المستقبلية والتكيف مع الذكاء الاصطناعي“ وفقا لتقرير معهد رويترز لعام2026:
أفق الذكاء الاصطناعي
تكشف التوقعات المتعلقة بعام 2026 أن الذكاء الاصطناعي بات جزءًا أصيلًا من مستقبل الصناعة الإخبارية. فهناك قناعة متزايدة بأن تأثير الأدوات الوكيلة سيكون كبيرًا أو كبيرًا جدًا، إلى جانب توقعات بأن ترخيص المحتوى لروبوتات الدردشة قد يتحول إلى مصدر دخل مهم لبعض المؤسسات. كما يُنظر إلى الأتمتة الخلفية وجمع الأخبار وتطوير المنتجات على أنها مجالات شديدة الأهمية داخل غرف الأخبار.
وتشير المعطيات أيضًا إلى أن نتائج مبادرات الذكاء الاصطناعي لا تزال متفاوتة، بين من يراها واعدة ومن يصفها بالمحدودة. أما على مستوى الوظائف، فلا يبدو أن الكفاءة التقنية أدت بعد إلى وفورات كبرى في القوى العاملة، رغم إن بعض المؤسسات بدأت بالفعل إعادة توزيع الأدوار وإضافة وظائف جديدة.
البحث عن البوصلة
في نهاية المطاف، يكشف تقرير رويترز 2026 عن مشهد إعلامي شديد السيولة، لا تحكمه يقينيات سهلة. فتآكل الثقة في وسائل الإعلام التقليدية ليس مجرد رقم في تقرير، بل ظاهرة اجتماعية تؤثر في طريقة فهمنا للعالم وتشكيل مواقفنا منه. وبينما تبحث المؤسسات الإخبارية عن سبل لاستعادة مكانتها، يجد الجمهور نفسه في رحلة متواصلة للبحث عن بوصلته وسط بحر من المعلومات.
أين تكمن الحقيقة في هذا الفضاء الرقمي المتشعب؟ ربما لا توجد إجابة واحدة قاطعة. لكن المدخل الأهم يظل في قدرة الجمهور على التفكير النقدي، وفي التزام الصحفيين — سواء داخل مؤسسات عريقة أو ضمن جهات فاعلة جديدة — بأعلى معايير النزاهة والبحث عن الحقيقة، مهما كان الثمن.
ليست الصحافة، في جوهرها، مجرد نقل للأخبار، بل هي سعي دؤوب نحو الفهم، وهي مسؤولية مشتركة بين من يروي ومن يستمع.