الحرية- جواد ديوب:
بشغف الطفولة وحماسها اللامنضبط كنت أراقب يديَّ والدي وهو يمرّر الشريط المصوَّر في أحماض التظهير، وكيف تبدأ وجوهُنا بالانبثاق من داخل ورق الطبع عندما يُعرِّضُ “النيغاتيف” لأشعة آلة صغيرة تشبه المجهر، فيما الرائحة تجعلني أدوخ وأبدو كالسائر في نومه.. ومن يومها يجذبني عالم التصوير الضوئي كسحرٍ لا فكاك منه.
لم أصبح مصوّراً؛ لكنّ صوراً مذهلة علقت على أهدابي حتى اللحظة، بعضُها أوجعني (ألبوم صور الحرب الأهلية اللبنانية) وأرّقني ليالي طويلة كالمستلقي على فراشٍ من شوك، وبعضها مبهجٌ (ألبومات صور العائلة والرحلات والبحر والثلج) جعلتني أهيم مع خيالاتي متخفّفاً من مشاغل اليوميات ومنغصات الوقائع.
ضوء على قماشة الذاكرة
ومن بهجة الذكريات عن التصوير الضوئي وجمالياته كان لا بدّ أن أفتّش عمّا في جعبة والدي “علي ديوب” من ضوئيّاته المتناثرة على قماشة ذاكرته؛ فاستعادَ معي بعضاً منها. يقول: “حين استعرتُ تلك الكاميرا، عام 1976، من أحد استوديوهات التصوير في المدينة (حماة)؛ لم أكن أتخيل أنني سأمتلك واحدةً فيما بعد، وأن هذه ستقودني إلى الصحافة، التي كانت حلماً زاهياً، أبعد من يقين -نَبَعَ أساساً من حبي للأدب- يشعُّ بأسماء مثل ممدوح عدوان ووديع اسمندر وحيدر حيدر! وهكذا مدفوعاً بشحنة ثقة، زرعها في داخلي نجاحٌ عرَضَيٌ حققتُه في مراسلة برنامج إذاعي لإتمام قصة؛ فحفزتني إذاعة اسمي في الراديو على أخذ حلمي بشكل جدي؛ وتشجعت للمشاركة في مسابقة للتصوير الضوئي، أقامتها جريدة الثورة أواخر السبعينيات، خاصة وأنني حققت لقطات ناجحة، بكاميرتي البسيطة -نوع زينيت- من دون عدسات خاصة، ولا تدريبات احترافية، وبعد أن نالت إحداها إعجاب الشاعر الراحل ممدوح عدوان نفسه، الذي نصحني بتغيير عنوانها إلى “مساواة”، بدلاً من “عمِّرها”، وكانت تَظهر فيها امرأة عجوز -أمّي/ جدتك- وهي تنقل الأحجار على حِمارةٍ عجوز، لتعمِّرَ سورَ كرم التّين، لكنها كانت تحمل هي نفسها حجراً كبيراً على كتفها!
صندوق الفرجة!
“ولاحقاً، إذ مارست مهنتي في جريدة الثورة، مطلع الثمانينيات، مندوباً للمحليات، أفنيت عدة كاميرات -بين الضياع والسرقة والأعطال- بسعادة حققها لدي نشرُ صور من واقع الحياة اليومية للناس الأكثر تهميشاً.. خاصة أنني حظيت بكرم ترحيب زملائي في قسم التصوير، الذين تعاملوا معي كما لو أنني واحد من القسم، أقاسمهم مخصصاتهم، من ورق الطبع والأفلام ومواد التحميض.
يكمل أبي كأنه يفتح صندوق الحكايات: “وأستطيع اليوم أن أستعيد رائحة جِلد أول كاميرا في حياتي.. مروراً بمشاعر انتظار صدور الصور التي كنت أطبعها في استوديوهات التصوير الخاصة، لأنها صور ملونة لا يمكن طبعها في الجريدة. ألبومات إثر ألبومات، وكنت مع كل منها أستعيد غبطة فتح صندوق الفرجة، وأدين بالشكر لصاحب “أستوديو علي بابا” -في بوابة الصالحية بدمشق- كما لو أنه هو من خلق تلك الصور أو أنه أخرجها من مغارته وخصّني بها! كان ذلك نوعاً من الإدمان، حتى أنه كان يكلفني مبالغ تزيد أحياناً عن طاقتي، فيتحمّلني صاحب الأستوديو، بتسجيل المبالغ فوق سابقاتها.. كان رجلاً جديراً بامتناني.. يومها والآن وحتى النهاية”.
التصوير ممنوع
ولن أنسى بعض متاعبي التي نجمت عن استعمال الكاميرا في مواقع كنت أجهل أنها ممنوعة. متاعب أتذكر إحداها الآن بشيء من المرح في استعادة ألمٍ قديم. كان ذلك في السنوات الأولى من ممارستي المهنة، حينما كنت أدوّن معلومات كل لقطة بدقة على أوراق، لكي أتعلم ذاتياً السرعة المناسبة وفتح العدسة المطلوبة. آنذاك تمّ اعتقالي، وحال توقيفي وتطميشي وتجريدي من محتويات جيوبي، وحقيبتي الأثيرة والأثرية -التي كانت رفيقي الثاني طيلة حياتي المهنية- وسط سيل من الأسئلة المربكة التي تحتاج سرعة الإجابة عليها إلى كمبيوتر عالي الدقة.. ثم فجأة رفع أحدهم عن عيني، ووضع ورقة أمامي طالباً مني بعنف أن أعترف وعلى الفور بكل تفاصيل المؤامرة! (يضحك مستذكراً تلك الحادثة).
أول كاميرا
“وسيكون من الإجحاف نسيان أول كاميرا في حياتي، عام 1970، مصنوعة من البلاستيك الرخيص (5 ليرات سورية فقط)، كنت أستعين بها ﻻصطياد أثمن صور أحلامي: صورة أول معشوقة، في صعقة المراهقة تلك -11 عاماً- حيث تعوّدت التسلّح أيضاً براديو جيب صغير، لكنني لم أكن أخفيه، كما كنت أخفي الكاميرا، بل أسرع لاستعراضه، ورفع صوته قرب بيتها في قريةٍ بالقرب من مدينة “سلمية” كانت تبدو لي قطعة من الجنة، بحقولها المحيطة، حيث أصوات مضخات الماء تصل بإيقاعٍ راقصٍ، مع موجات حرارة الصيف.. هناك حيث شكلت أغاني الحب والصور التي ألتقطها أعمدةً شاهقة رفعت قبابَ معبدِ زمنٍ جميلٍ أفتقده الآن بشدّة”!
مجرد لمعة فلاش
أنهيتُ حديثي مع والدي وأنا أفكر بالزمن.. يا إلهي كم هو متفلّتٌ، رجراجٌ، وزئبقيُّ هو هذا الزمن الذي يحاصرنا، ويجعل منّا شجراً ييبَسُ ويتقشّرُ ويسقط.. لنغدو ذكرى أشخاصٍ كنّاهم، بل مجرّد لمعة فلاش تومضُ كشهبٍ عابرةٍ في حياةٍ مثل الثقب الأسود.