“الصيام الرقمي”.. وجه عبادي مستحدث يعيد لشهر رمضان جانبه الروحي العميق

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية – إلهام عثمان:

مع إطلالة كل رمضان، يتجدد الحديث عن جوهر الصيام الروحي والجسدي، وهنا يبرز تحدٍ جديد يفرض نفسه على مائدة البحث عن الخلوة الروحية، ليبقى السؤال: كيف نصوم عن الطعام والشراب، بينما تظل عقولنا وقلوبنا أسيرةً للشاشات؟ هذا التساؤل يقودنا إلى مفهوم “الصيام الرقمي”، الذي يطرح نفسه ليس كبديل، بل كرفيقٍ ضروري للصيام التقليدي، سعياً لتحقيق الانسحاب الكامل الذي يضمن استعادة الذات.

الصيام الرقمي

في الواقع، لم يعد الغزو الرقمي مجرد إزعاج عابر؛ بهذه الكلمات استهلت حديثها  الخبيرة الاجتماعية نورا عز الدين من خلال لقاء مع “صحيفة الحرية”، إذ تحول إلى إدمانٍ يهدد الصحة النفسية والجسدية على حد سواء.
وتشير إحصاءات عالمية إلى أن ما يقرُب من ٧٠٪ من المستخدمين النشطين يعانون من اضطرابات في الرؤية بسبب التحديق الطويل في الشاشات، كما ارتبط الاستخدام المفرط باضطرابات النوم وضعف التركيز. وبالتالي، فإن فكرة “الصيام الرقمي” تظهر كحاجة ملحة، وليس كرفاهية.

-رمضان والخلاص من “السموم الرقمية”: هل حان وقت صيام العين والقلب مع المعدة؟

الامتناع الطوعي

أما عن ماهية هذا الصيام، فهو يعني الامتناع الطوعي والكامل عن استخدام الأجهزة الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي لفتراتٍ محددة، والجدير بالذكر وفق رأي عز الدين أن شهر رمضان، بجوهره الداعي للتقليل والتركيز على الذات، يُعد البيئة المثالية لدمج هذا المفهوم مع ممارسة الصيام التقليدي، تحقيقاً لفلسفة الانسحاب الشامل من المشتهيات المادية والمعنوية.
من ناحية أخرى، فإن تطبيق هذه الفكرة لا يحتاج إلى قرارات جذرية معقدة، إذ يمكن البدء بخطوات عملية بسيطة، مثل: تعطيل الإشعارات غير الضرورية خلال ساعات النهار، وتخصيص أوقات “مقدسة” خالية تماماً من الأجهزة بعد الإفطار للتواصل العائلي المباشر، واستبدال القراءة الرقمية بالورقية حينما يكون ذلك ممكناً، علاوة على ذلك، يمكن تحويل التجربة إلى فعل جماعي، من خلال تحدي أفراد الأسرة أو الأصدقاء للمشاركة في فترات صيام رقمي مشتركة.

إعادة تقييم

وحول الجدوى العلمية والنفسية لهذا النهج، أوضحت عز الدين أن رمضان يمثل معملاً طبيعياً فريداً لإعادة ضبط العلاقة مع التكنولوجيا، وأضافت: إن التغيير الفسيولوجي المصاحب للصيام يزيد من وعي الفرد بذاته ورغباته، وهو وعي يمكن توجيهه لفهم طبيعة التعلق الرقمي غير الصحي إذ إن الفائدة لا تقتصر على توفير الوقت، بل تمتد إلى تحسين الصحة النفسية وإثراء جودة العلاقات الاجتماعية الحقيقية.
وتابعت قائلة: إن الكثيرين ممن يطبقون هذه الفكرة يكتشفون لاحقاً أنهم أكثر إنتاجيةً واتزاناً نفسياً، ما يدعوهم لإعادة تقييم عاداتهم الرقمية واستمرار بعض هذه القيود حتى بعد انقضاء الشهر المبارك، في محاولة لتحقيق التوازن المنشود بين منافع العصر الرقمي وضرورات الصحة العقلية.

الوجه العبادي

وختمت عز الدين، قائلة: بينما نصوم عن الطعام والشراب، يبقى تحرير العقل والقلب من أسر الشاشات هو التحدي المعاصر الأبرز في رحلة البحث عن الخلوة والتركيز، لافتة إلى أن الصيام الرقمي هو الوجه العبادي المستحدث الذي يعيد لشهر رمضان جانبه الروحي العميق.

Leave a Comment
آخر الأخبار