الحرية- سمر رقية:
انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة الطلاق المبكر وهي ظاهرة اجتماعية تتداخل فيه عوامل ثقافية واقتصادية ونفسية، وفي الآونة الأخيرة، ظهرت أسباب كثيرة متشابكة وتراكمية لانتشاره لدى فئة الأعمار الصغيرة من النساء، ونتائجه تطول الفرد والأسرة والمجتمع.
توقعات مثالية
الدكتورة في كلية التربية وعلم النفس بجامعة طرطوس مايا بركات أكدت لـ(الحرية) أن أهم أسباب الطلاق لفئة السيدات في أعمار مبكرة هي التوقعات المثالية غير الواقعية التي يحملها البعض عن الزواج، والإحباط الذي يصيبهم عندما يصطدمون بواقع المسؤوليات والمشاكل اليومية.
وأيضاً المزاجية الحادة وتراكم بعض العادات اليومية المزعجة، كالفوضوية تخلق بيئة متوترة بشكل دائم، وضعف التواصل والتفاهم وسوء الفهم وغياب الحوار الفعال وتراكم المشكلات من دون إيجاد حلول لها.
مشكلات اقتصادية
وأوضحت بركات أنه من الأسباب أيضاً الخلافات والمشكلات الاقتصادية المتعلقة بالدخل والإنفاق وتراكم الديون، وأحياناً البطالة وتدهور الأوضاع الاقتصادية تزيد من التوتر في العلاقة، وأيضاً من ضمن الأسباب يمكن أن يكون عمل المرأة وقدرتها على إعالة نفسها قلل من التبعية المطلقة للزوج، وكذلك الغيرة المفرطة والشك وعدم الثقة والمراقبة المستمرة يسبب توتراً وضغطاً نفسياً كبيراً على الطرف الآخر، بالإضافة إلى عدم النضج العاطفي والفكري الكافي لتحمل مسؤوليات الحياة الزوجية يزيد من احتمال فشل العلاقة.
الاستخدام المفرط للجوال
وتابعت بركات حديثها: من أهم الأسباب أيضاً الاستخدام المفرط للهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي، خلق فجوة عاطفية كبيرة، وأدى إلى مقارنات غير واقعية بالحياة المثالية التي تعرض على منصات التواصل الاجتماعي، وهذا ما يولد الشعور بعدم الرضا.
وتشير الإحصائيات إلى أن نسبة كبيرة من حالات الطلاق قد تكون مرتبطة بهذه الوسائل.
ولفتت بركات لسبب مهم أيضاً وهو انتشار ثقافة الندية أدت إلى خلق صراعات حول المسؤوليات والسلطة داخل البيت بدلاً من التعاون، وكذلك الحمل والإنجاب المبكر، فالزواج في سن صغيرة غالباً ما يتبعه حمل سريع وعدم الاستعداد النفسي لمسؤولية الأمومة والطفل، وخاصة إذا صاحب ذلك توقف الزوجة عن التعليم أو العمل يخلق ضغطاً هائلاً قد يؤدي للطلاق.
وأشارت بركات إلى أن من أهم الأسباب أيضاً، الفرق في مراحل النضج، ففي العشرينات يتغير الإنسان كثيراً، فقد يتزوج اثنان وهما متوافقان ولكن بعد عدة أعوام قليلة يتغير طموحهما وأفكارهما في اتجاهين مختلفين، فيكتشفان أنهما لم يعودا مناسبين لبعضهما، وبعض الشباب ينتقلون من رعاية أهلية كاملة الى زوج أو زوجة دون أن يكونوا مؤهلين لتحمل هذه المسؤولية ما يسبب إرهاقاً للطرف الآخر.
بالنهاية لا يمكن أن نعزو الطلاق لسبب واحد فقط بل هو نتيجة تراكم عدة أسباب متشابكة.
الضغط النفسي
تعود وتؤكد بركات أن نتائج الطلاق المبكر لا تطول فرداً أو شخصاً بعينه بل تشمل هذه النتائج الفرد والأسرة والمجتمع.
وأن من أهم النتائج هي الضغط النفسي ومشاعر انخفاض الثقة بالنفس والإحباط التي تنتاب الزوجين خاصة في الفترة الأولى من الطلاق، وأيضاً الوصمة الاجتماعية المضاعفة للطلاق في سن مبكرة، رغم أن المجتمع تقبّل فكرة الطلاق بشكل عام إلا أن نظرة المجتمع للمطلقة صغيرة السن قد تكون قاسية ما يخلق شعوراً بالفشل المبكر خاصة في المجتمعات الصغيرة.
أزمة وخوف
ولمّحت بركات أيضاً لنتائج مهمة وهي، لكون الإنسان في عمر العشرينات يكون لا يزال يشكل شخصيته فإن تجربة الطلاق الفاشلة قد تخلق أزمة لديه (أنا فاشلة أنا لا أستحق الحب)، تؤثر في ثقتها بنفسها وتسبب خوفاً من الارتباط مرة أخرى ويخلق لديها صعوبة في الثقة بالآخرين.
كما يمكن ان تؤثر في مسارها المهني وخصوصاً إن كانت قد تركت تعليمها أو وظيفتها من أجل الزواج، فالطلاق المبكر يعني أنها ستواجه إكمال التعليم أو سوق العمل وهي تحمل جرحاً نفسياً وفي وقت تأخرت فيه عن أقرانها.
كذلك فإن الطلاق ليس مجرد انتهاء علاقة، بل هو إعادة توجيه قسرية لمسار حياة بالكامل كان من المفترض أن يكون في بدايته.