الحرية ـ لمى سليمان:
يعتبر وجود استراتيجيات واضحة وحوكمة صحيحة أساساً لنجاح أي خطوة اقتصادية في بلد تعدت الحرب والفساد و القرارات الاقتصادية المزاجية البعيدة عن الواقع والمبنية على مصالح شخصية، تعدت على شتى أركان الاقتصاد فيه، ولذلك فإن خطوة صك العملة الجديدة وحذف الصفرين تحتاج إلى استراتيجية واضحة لضمان ضبط قيمة هذه العملة و عدم تذبذبها صعوداً و هبوطاً أو فقدان قيمتها أمام الدولار وإلا فإنها قد تخسر ثقة المتعاملين بها و تربك الاندفاع الاستثماري الهائل باتجاه سوريا.
وقد أوضح وزير المالية يسر برنية في تصريحات سابقة أن استقرار الليرة السورية يعتمد على الانضباط المالي والذي يعد الأساس في أي استقرار اقتصادي مؤكداً أن استقرار الليرة السورية يأتي بالدرجة الأولى من الانضباط في المالية العامة وعدم تمويل العجز من المصرف المركزي.
وضمن هذه السياسة التي يعتبرها برنية خياراً طويل الأمد و ليست ظرفية..يأتي السؤال كيف يمكن أن يتم ضبط قيمة الليرة و عدم هبوطها أمام الدولار و ماهي الاستراتيجيات التي ستسهم في ذلك؟
المصرف المركزي ليس المعني فقط
ويجيب المستشار المالي والاقتصادي د.علي محمد موضحاً أن قيام مصرف المركزي باتخاذ قرار تبديل العملة مع حذف الأصفار هو قرار يختص به المصرف المركزي نظراً لرؤيته بضرورة جمع الكتلة النقدية المتداولة خارج القطاع المصرفي والتي تبلغ نحو 42 تريليون ليرة سورية .
ويتابع د.محمد في حديثه لـ “الحرية” بأن هذا الإجراء الذي بدأ بـ 1\1\2026 و من المتوقع أن يستمر ثلاثة أشهر مبدئياً قابلة للتمديد, يتطلب العمل بالتوازي، أي إن العمل يكون حكومياً أيضاً لا أن يكون مصرف سوريا المركزي هو المعني بشكل حصري في موضوع ضبط الاستقرار النقدي علماً أن استراتيجيته لفترة 2026 – 2030 ترتكز على خمس ركائز من بينها الاستقرار النقدي وتطوير آلية المدفوعات الرقمية والركائز الأخرى التي بنيت عليها هذه الاستراتيجية، لكن مكافحة التضخم وتعزيز الثقة بالليرة الجديدة أمام الدولار يتطلب القيام أيضاً بتطبيق سياسات الانضباط المالي بشكل أساسي من قبل وزارة المالية لاسيما من خلال تقليل حجم الإنفاق العام أو كفاءة إدارة الإنفاق العام بالدرجة الأولى و تقليل حجم العجوزات وعدم تمويلها عبر الاتصال النقدي أوالاقتراض من مصرف سوريا المركزي أي التمويل بالعجز وتعتبر هذه من الأساسيات الأولى إضافة إلى توجيه الإنفاق بشقه الأكبر إلى المجالات الاستثمارية.
استراتيجية الإنتاج
ويعتبر المستشار المالي أنه و إضافة إلى الانضباط المالي الذي يأتي بالدرجة الأولى, تأتي أهمية تعزيز الإنتاج والاستثمار بغية تلبية متطلبات الناتج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد فقط ,وبالتالي نكون بشكل أو بآخر قد خفضنا الطلب على القطع الأجنبي الذي يلعب دوراً في استقرار سعر صرف الليرة الجديدة وبالتالي الحديث اليوم عن كيفية استقرار سعر الصرف أو تحسين سعر صرف الليرة الجديدة هو مسؤولية حكومية بالتضافر مع مسؤولية مصرف سوريا المركزي. ومن الجدير بالذكر أن تبديل العملة اليوم وحذف الأصفار لا يغير من القيمة الحقيقية بتاتاً إنما يغير من القيمة الاسمية فقط.
تعزيز الإيرادات ومكافحة التهرب الضريبي
وبناء على ما سبق,وبحسب ما يشرح د.محمد, وبالحديث عن ضرورة الالتزام بالانضباط المالي بشكل أساسي ودقيق, فإن الانضباط المالي يعني أن يكون الانفاق بشقيه الجاري والاستثماري مدروساً و أن يكون هناك كفاءة في إدارة الإنفاق العام. وانطلاقاً من ذلك ونظراً لكون الانضباط المالي يعني فيما يعنيه عدم الاقتراض من مصرف المركزي وعدم التمويل بالعجز فهذا يعني أيضاً ضرورة تعزيز إيرادات الموازنة العامة التي تتأثر بمجموعة من المصادر لاسيما مع الضرائب والرسوم وفوائد القطاع العام الاقتصادي وغيرها.
وبالتالي فإن تعزيز هذه الإيرادات يعتبر منسوب عمل وتوجهات وزارة المالية للبحث عن مصادر إيرادات حقيقية وليس عن طريق الاقتراض من المصرف المركزي, ومصادر هذه الإيرادات الحقيقية يأتي في مقدمتها بطبيعة الحال مكافحة التهرب الضريبي أي أن تكون الضرائب عادلة تتسم بخصائص الضريبة بشكل عام لاسيما من ناحية العدالة والشفافية والتحصيل الضريبي الصحيح بغية تأمين هذه الحصيلة من الإيرادات العامة لأن بقاء التهرب الضريبي وزيادته يؤثر على حصيلة هذه الإيرادات وبالتالي يسبب حدوث عجوزات في الموازنة العامة للدولة وحينها ستضطر وزارة المالية الى الاقتراض من المصرف المركزي وهذا ما تم نفيه من قبل وزارة المالية ومن قبل المصرف المركزي بأن وزارة المالية كما صرح وزير المالية لديها فائض في موازنة العام الحالي وبأن الاقتراض من المصرف المركزي غير وارد بتاتاً.