العملة السورية الجديدة انتقال مدروس من الرموز السلطوية والسياسية لرموز إنتاجية وحياتية

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- جهاد اصطيف:

أثار الشكل الجديد للعملة السورية جدلاً واسعاً في الأوساط الشعبية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تركزت معظم الآراء حول غياب المعالم الأثرية والرموز التقليدية، مقابل حضور لافت لصور النباتات والمحاصيل الزراعية، وبينما انشغل كثيرون بالشكل الظاهري والألوان، يرى مختصون أن هذا الجدل تجاهل البعد الأعمق والفلسفة الاقتصادية والنفسية التي تقف خلف التصميم الجديد.
وفي هذا السياق، أوضح أمير حلبي خبير اقتصادي وباحث في السياسات النقدية والاقتصاد السلوكي، في حديث لصحيفة “الحرية” أن التوجه الجديد في تصميم العملة يعكس انتقالاً مدروساً من الرموز السلطوية والسياسية إلى رموز إنتاجية وحياتية مرتبطة مباشرة بالأرض والإنسان.

بين الجدل والدلالات الاقتصادية.. قراءة في الفلسفة الرمزية للتصميم

وأشار حلبي إلى أن الفلسفة الأساسية الواضحة من اعتماد النباتات على العملة تتمثل في تقديم سوريا بوصفها “أرض إنتاج وحياة، لا أرض صراعات وسلطة”، لافتاً إلى أن هذا الخيار يحمل أبعاداً نفسية ذكية، إذ توحي الزراعة بالاستمرارية، والنبات بالتجدد، والمواسم بالصبر والعطاء، وهي مفاهيم ترتبط بشكل مباشر ببناء الثقة والطمأنينة في الوعي الجمعي.
وبين الخبير الاقتصادي أن اختيار الرموز الزراعية لم يكن عشوائياً، بل جرى بعناية شديدة، موضحاً أن غصن الزيتون على فئة الـ200 ليرة يرمز في الوعي السوري إلى الصمود والسلام والبركة، وهو شجر معمر يعيش مئات السنين، بما يعكس الاستمرارية والثبات، كما أن الزيتون محصول استراتيجي حاضر في الساحل والجنوب والشمال، ومتجذر في الثقافة السورية والبيت السوري، فضلاً عن حضوره الديني، ما يجعله من أقوى الرموز الجامعة.
أما القمح على فئة الـ 500 ليرة، فيرى حلبي أنه يحمل دلالة وجودية واقتصادية بالغة الأهمية، فالقمح يعني الخبز، والخبز هو نبض الحياة وأساس أي اقتصاد، ورمز الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي، وارتباطه بمناطق الجزيرة السورية وسهل الغاب يمنحه بعداً جغرافياً إنتاجياً، واعتبر أن وضع القمح على أعلى فئة نقدية رسالة واضحة مفادها أن “من دون الخبز لا اقتصاد”.
وفيما يتعلق بفئة الـ100 ليرة التي تحمل صورة القطن (الذهب الأبيض)، أوضح الخبير أنها ترمز إلى الصناعة والعمل وتوافر اليد العاملة، وتعكس تاريخاً اقتصادياً مهماً، لاسيما في محافظتي حلب والحسكة، بوصف القطن حلقة وصل بين الزراعة والصناعة، أي بين الإنتاج الحقيقي لا الاستهلاك.
وتطرق حلبي إلى الوردة الجورية على فئة الـ 10 ليرات، معتبراً أنها تعبير مكثف عن جمال دمشق وهويتها الثقافية وروحها التاريخية، واختيارها على فئة صغيرة يحمل رسالة رمزية مفادها أن الجمال قيمة معنوية وشاعرية، لا تقاس بالثمن المادي.
كما أوضح أن الحمضيات على فئة الـ 50 ليرة ترمز إلى الساحل السوري، وما يتمتع به من طبيعة خلابة وشمس وحيوية، إضافة إلى كونها محصولاً تصديرياً يعكس الفرح والمواسم، في حين تعبر ثمرة التوت على فئة الـ25 ليرة عن الريف السوري والبيوت القديمة والذاكرة الجمعية، وترتبط بتربية دودة القز وصناعة الحرير، بما تحمله من رمزية الصبر والعمل الهادئ بين الزراعة والحرف التقليدية.
وختم الخبير حديثه بتأكيد أن تجديد العملة لا يعني بالضرورة تحسناً فورياً في القوة الشرائية أو المؤشرات الاقتصادية، بل يهدف بالدرجة الأولى إلى تحسين الأثر النفسي والبصري، والتخلص من رموز ارتبطت بمرحلة يراد تجاوزها.
وأضاف: التركيز على الانسجام بين الألوان والرموز، والابتعاد عن السياسة والشخصنة، يعكس توجهاً إدارياً ونفسياً جديداً، مؤكداً أن الرسالة الأساسية التي تحملها العملة بحلتها الجديدة هي أن سوريا أرض لكل السوريين، وقيمتها الحقيقية في إنتاجها وأرضها وإنسانها.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار