الحرية – ميليا اسبر:
يتسارع حضور الاقتصاد الرقمي في سوريا بوصفه أحد المسارات البديلة التي فرضتها التحولات الإقتصادية والضغوط المعيشية، حيث بات العمل عبر الإنترنت خياراً واقعياً لشريحة واسعة من الشباب الباحثين عن فرص دخل واستقرار نسبي، وبينما تتسع هذه الظاهرة تدريجياً تبرز تساؤلات حول طبيعتها، مدى تأثيرها على الاقتصاد المحلي، وإمكانية تنظيمها ضمن أطر رسمية تضمن استدامتها. 
الخبير بالشأن الاقتصادي إيهاب اسمندر أكد في تصريح لـ “الحرية” أن العمل عبر الإنترنت في سوريا يمكن النظر إليه كحالة “هجينة” تجمع بين ملامح الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي في آنٍ معاً، فبينما تُعد قطاعات مثل التجارة الإلكترونية ركيزة واعدة لتعزيز الاقتصاد الرقمي، توفّر فرصاً حقيقية للشباب ورواد الأعمال، تحوّلت في المقابل الأنشطة الرقمية غير المسجلة إلى جزء من “اقتصاد الظل” الذي يعمل خارج إطار الدولة ويكتسب صفات الاقتصاد الموازي.
قطاعات رقمية متنوعة
وفيما يتعلق بأبرز القطاعات الرقمية التي نجح فيها الشباب السوري أوضح اسمندر أن هذه المجالات تتنوع بين تطوير المواقع والتطبيقات، والتصميم الجرافيكي وصناعة المحتوى، إضافة إلى إدارة صفحات التواصل الاجتماعي والتسويق الرقمي، وكتابة المحتوى والترجمة والعمل كمساعدين افتراضيين، إضافة إلى تقديم الدروس الخصوصية والدورات التدريبية عبر الإنترنت.
متنفس اقتصادي
وحول دور العمل الحر في التخفيف من البطالة، أشار اسمندر إلى أنه يشكّل “متنفساً اقتصادياً” مهماً لا سيما في ظل ارتفاع معدلات البطالة التي بلغت نحو 13% عام 2024، وتجاوزت 30% بين الشباب، ويساهم هذا النمط من العمل في تخفيف الضغط على سوق العمل التقليدية عبر استيعاب جزء من القوى العاملة، كما يوفّر بديلاً عملياً للوظائف خصوصاً الحكومية ذات الدخل المحدود، ويمنح الشباب فرصة لتحقيق استقلال مالي قائم على مهاراتهم الرقمية.
عقبات أساسية
وحسب اسمندر هذا القطاع لا يخلو من التحديات إذ يواجه العاملون عبر الإنترنت عقبات أساسية أهمها ضعف خدمات الإنترنت والانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، وكذلك صعوبات الدفع الإلكتروني وغياب وسائل آمنة وموثوقة لسحب الأرباح، لافتاً كذلك إلى أن نقص التشريعات الناظمة يشكل تحدياً إضافياً في ظل منافسة عالية في الأسواق العالمية وضعف الثقة ببعض المنصات المحلية.
آثار سلبية
وعن انعكاسات العمل الرقمي الخارجي على الاقتصاد المحلي بيّن اسمندر أن هناك آثاراً سلبية محتملة، إذ يؤدي توجه الشباب نحو فرص خارجية إلى خسارة السوق المحلية لخبراتهم، ما يضعف فرص بناء قطاع رقمي وطني متماسك، كما تبقى نسبة كبيرة من العوائد المالية خارج الدورة الاقتصادية الرسمية ما يحرم الدولة من الاستفادة منها عبر الضرائب والرسوم.
تنظيم القطاع
وفي ما يخص سبل تنظيم هذا القطاع شدد اسمندر على ضرورة تبنّي سياسات تدريجية لا تعيق نموه، تبدأ بتحسين خدمات الإنترنت والكهرباء لضمان بيئة عمل مستقرة، وتطوير أنظمة دفع محلية آمنة بالتعاون مع القطاع الخاص، داعيّاً إلى إصدار تشريعات مرنة تنظم العمل الحر وتحفظ حقوق العاملين، بما في ذلك التأمين الصحي، وأيضاً اعتماد نظام ضريبي مبسط وتدريجي يشجع على التسجيل الرسمي دون فرض أعباء إضافية. منوهاً بأهمية التعاون مع شركات عالمية لتطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز الشمول المالي.